الثلاثاء 12 مايو 2026
Accueil Top Pub

مختصون يقترحون قراءة سينمائية مستحدثة: فيلم الأمير عبد القادر.. ثقل الرمز ورهانات الصورة

يتجاوز فيلم الأمير عبد القادر، الذي تشرف على إنتاجه مؤسسة الجزائري، كونه عملا سينمائيا يروي قصة شخصية تاريخية، بل هو مخاض عسير لمولود يلتف حول عنقه الحبل السري المرتبط بالتاريخ والهوية، ومفاهيم مثل المقاومة، والحرية، والقومية، والإنسان، والأوطان. ما جعل العمل بمثابة مشروع وطني استراتيجي. ذلك لأن الأمر يتعلق بمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، ورجل تعرضت صورته للتشويه والتلاعب من قبل المستعمر.

نور الهدى طابي

اليوم يروج صناع العمل لخطاب العالمية، ويؤكدون أن العدسة التي ستصور المشاهد لن تكتفي بالتوثيق، بل ستصنع ملحمة سينمائية تستلهم من «الرسالة» لمصطفى العقاد، و«معركة الجزائر» للإيطالي جيلو بونتيكورفو. لأن فيلم الأمير مثقل بالرمزية ويعد بمثابة «معركة ثقافية لإعادة رسم صورة هذه الشخصية التاريخية وتقديمها للعالم، مع كشف المغالطات والزيف الذي روجت له الرواية الكولونيالية»، كما عبر عنه سليم عقار مدير مؤسسة الجزائري، خلال مشاركته مؤخرا، في ملتقى وطني بكلية الفنون بجامعة قسنطينة 3، ناقش إشكالية «الأمير عبد القادر بين الحقيقة التاريخية وإمكانيات التجسيد السينمائي».
من جهتهم، رافع أكاديميون ونقاد شاركوا في اللقاء، لأجل رؤية سينمائية منصفة، معتبرين بأنه لا مناص من تيمة التوثيق والسينما في هذا المشروع، لأن الأفلام التاريخية تتجاوز صناعة الترفيه إلى الدعاية والإيديولوجيا. وأكدوا أن العلاقة بين التأريخ الأكاديمي والسينما، بوصفها وسيطا بصريا سرديا، ضرورية جدا لضمان التدقيق والتشكيل الدرامي للوعي التاريخي، من منطلق أن الشاشة الكبيرة تعتبر حاليا أحد أبرز المصادر المؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي حول الماضي.
نصف قرن من البحث عن نهاية النفق
يقول الإعلامي والباحث في التراث الجزائري، مهدي براشد: «إن المرحلة الجنينية لمشروع السردية السينمائية الجزائرية عن مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، قد طالت لأكثر من نصف قرن»، مرجعا ذلك إلى أننا أمام مشروع لصناعة وعي قومي ومخيال شعبي للجزائر الحديثة المستقلة من خلال من يعتبر مؤسسها، لذلك كان عمر هذا المشروع من عمر الجزائر المستقلة تقريبا.
يعود الباحث في التراث الثقافي، في حديثه عن كرونولوجيا ميلاد وتبلور فكرة الفيلم، «إلى صيف 1966 حين تنقل وفد جزائري يقوده وزير الخارجية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة إلى دمشق لتنظيم أسبوع ثقافي انتهى بقرار نقل رفاة الأمير عبد القادر من مقبرة بسفح جبل قاسيون بدمشق، حيث دفن إلى جانب الشيخ محي الدين بن عربي، إلى تراب وطنه الذي ولد فيه وقاوم الاستعمار فيه.
وتم اختيار 5 جوان 1966 كتاريخ لنقل رفات الأمير عبد القادر وإعادة دفنها بمربع الشهداء في مقبرة «العالية» بالجزائر العاصمة.
وحسب براشد، فقد ظهرت في هذه الأجواء الحاجة لفيلم سينمائي عن الأمير عبد القادر. يضيف الصحفي والكاتب: «قال المحافظ السابق لـ«مهرجان الفيلم المتوسطي» السينمائي، السعيد ولد خليفة، في تصريح سابق للإعلام، إن فكرة كتابة أول سيناريو لفيلم عن الأمير عبد القادر تعود لوزير الإعلام والثقافة سنة 1968 محمد الصديق بن يحيى، رفقة «محمد السعيد معزوزي» الذي كان وزيرا للعمل، وكان محمد الصديق بن يحيى يعرف الصحفي «لوسيان جان شارل دوشي» الشهير بسيرج ميشال (1922-1997)، وهو صحفي مناهض للاستعمار والكولونيالية، ناضل من أجل الجزائر، وكان عضوا في جبهة التحرير الوطني، وأشرف على عدة صحف جزائرية.
أما من عزز استعداد سيرج ميشال لكتابة سيناريو فيلم عن الأمير عبد القادر، فكان صديقه الكاتب والمسرحي كاتب ياسين».
يقول مهدي براشد، إنه وحسب حوار له مع ولد خليفة: «فإن سيرج ميشال قدم السيناريو سنة 1972 تحت عنوان «Le Faucon Blanc» الصقر الأبيض، وما تزال هناك نسخة من سيناريو «الصقر الأبيض» في خزائن متحف السينما الجزائري».يواصل: بعدها بسنوات، وتحديدا بعد نجاح فيلم «الشيخ بوعمامة» سنة 1983 للمخرج بن عمر بختي، عن سيناريو للأستاذ بوعلام بسايح، جاءت فكرة إنجاز فيلمين آخرين على الشاكلة نفسها، الأول عن الأمير عبد القادر، والثاني عن «المقراني». و«تقول روايات إن الوزير بوعلام بسايح كتب سيناريو لفيلم الأمير عبد القادر، واختير بن عمر بختي مرة أخرى لإخراج العمل. غير أن العمل لم ير النور، وكان للأزمة الاقتصادية الحادة التي عرفتها البلاد، ثم عشرية الإرهاب، دور في عدم إنجازه».«في 2012 أطلق مشروع سيناريو لفيلم الأمير عبد القادر، وأوكلت متابعته لوكالة الإشعاع الثقافي، التي تعاقدت مع شركة أمريكية وكاتب السيناريو زهير خنشلاوي، بمساعدة المخرج الأمريكي فليب دياز، لكن المشروع سقط في الماء»، حسب تعبير براشد.
ويوضح الإعلامي والكاتب المهتم بالشأن الثقافي والتراث: «بعد ذلك، وتحديدا بين 2014 و2015، أوكلت وزارة الثقافة آنذاك كتابة السيناريو إلى السيناريست مالك العقون».
يواصل: «ضمن حلقات مسلسل كتابة سيناريو للفيلم، كان هناك نص كتاب الأمير لواسيني الأعرج، وقد أنجز عليه سيناريو مع المخرج عبد العزيز طولبي في إيطاليا، واشترك واسيني في تعريبه وقدم للحكومة، لكن مات المخرج عبد العزيز طولبي ولم ير المشروع نهاية النفق».

* سليم عقار مدير مؤسسة «الجزائري» المنتجة للعمل
سنقدم ملحمة هوليوودية برؤية جزائرية
يعتبر سليم عقار، أن استحداث مؤسسة الجزائري المكلفة خصيصا بإنتاج وتوزيع واستغلال فيلم الأمير عبد القادر، يعكس قيمته كمشروع ثقافي وطني استراتيجي، وكيف تمثل الثقافة أحد الأولويات الأساسية في السياسة العامة للدولة، مشددا على أن العمل المنتظر سيكون بمثابة «ملحمة عالمية بسياق هوليوودي ورؤية جزائرية خالصة».

وأكد عقار، أن عملية كتابة السيناريو تمت بالتنسيق مع لجنة تاريخية ضمت كتابا من بينهم الروائي واسيني الأعرج، وقد اشتغلت على عدة مصادر بعدة لغات، أهمها المصادر الجزائرية، مع تحفظ نوعا ما على المراجع الفرنسية.
وقال، إن الإبداع سيكون حاضرا بعدسة احترافية عالمية، وبمشاركة ممثلين من مختلف الجنسيات، على أن سيصدر «أفيش» العمل اسم مشهور سيلعب دورا في عملية التسويق، التي خصصت لها استراتيجية عامة ستعزز البعد العالمي للمشروع السينمائي القادم.
أما عن الخيال في أفلام السينما التاريخية، فأوضح أنه سيكون حاضرا ضمن سياقات محددة مثل الحوار، مشيرا إلى أن حصة الخيال الإبداعي في الإنتاجات السينمائية العالمية مفتوحة دائما وتقدر عادة بنسبة 30 إلى 50 بالمائة.
وأن توظيف الرؤية الإبداعية أو الصورة السينمائية يحتكم إلى الهدف أو التوجه، لذلك هناك اعتماد كبير على استنساخ استراتيجية العقاد في فيلم الرسالة بنسختيه العربية والإنجليزية.
مع ذلك، أكد أن الجهة المنتجة ستسهر على حضور الأحداث التاريخية الحقيقية، مع تركيز على البعد الإنساني في شخصية الأمير وعلاقته بعائلته ومحيطه وحتى أعدائه. فما يتوفر من توثيق حسبه، يقتصر على رسائله المتبادلة مع ضباط المستعمر، وبعض ما توارد من أحداث معروفة، لكن ما ينقص حقا هو الحوار الذي لن يغذيه سوى الخيال، لكن طبعا ضمن إطار القيم الأصلية والتاريخية للشخصية.
عقار تطرق في حديثه عن الإنتاج والسرية المحيطة به إلى تخوف الطرف الفرنسي من هذا الإنتاج، الذي سيفضح حسبه جرائمه ويعيد رسم صورة مؤسس الدولة بعيدا عن الرواية الكولونيالية المشوهة، كما أن الفيلم يشكل أيضا هاجسا للمخزن.وحسبه، فإن هناك منتجين فرنسيين جمعته بهم صدف، مهتمون جدا بمعرفة كل تفصيلة صغيرة وكبيرة عن العمل، بما في ذلك اسم السيناريست والمخرج والممثلين، موضحا أن مجال الصناعة السينمائية ليس بعيدا عن الإيديولوجيا، وأنه ليس مجالا مسالما كما يبدو، بل يمكن لتدخل لوبيات المال أن يحبط مشروعا كاملا.
رهان على الصورة السينمائية والموسيقى التصويرية
مدير مؤسسة الجزائري، اعتبر أن التحدي الأكبر حاليا هو إقناع أسماء عالمية بالمشاركة في المشروع، خصوصا وأن الآخر لا يعرفنا جيدا بسبب شح التعاون المشترك في الإنتاج، الذي لا يتعدى 2 بالمئة في الجزائر حاليا، بعدما كانت النسبة تعادل 5 بالمائة في وقت سابق.
وحسبه، فإن البعد والانتشار العالمي لأي عمل سينمائي يستوجب حضور منتج أجنبي، مستشهدا في ذلك بفيلم «معركة الجزائر».
من جانب آخر، اعتبر عقار أن الملتقيات الأكاديمية التي تعنى بفيلم الأمير مهمة جدا من ناحية التوصيات التي من شأنها إثراء الفكرة، لأن الرؤية التاريخية والفنية المتخصصة تلعب دورا كبيرا في تعزيز جانب التوثيق، مشيرا إلى أنه تم إلى غاية الآن الاعتماد على كتب تركية وأخرى روسية وإنجليزية لتجاوز عائق شح المادة التاريخية خارج السرديات الفرنسية.
ومن أبرز الأحداث التي قال إن الفيلم سوف يعيد تصويرها باحترافية، قصة الأمير البطولية مع المسيحيين والدروز في الشام، وقضية التعويضات المالية التي دفعتها إدارة المستعمر لجيشه، الذي ضم أفارقة وإيطاليين، مع اللعب على وتر العاطفة والإنسانية والتركيز على الموسيقى التصويرية، التي أكد أنها ستكون رائعة على حد وصفه.

* شهريار بوالبردعة باحث جزائري متخصص في مجال الفنون
تحديات تجسيد شخصية الأمير عبد القادر سينمائيا
قال الدكتور شهريار بوالبردعة، باحث متخصص في مجال الفنون، ورئيس الملتقى الوطني «الأمير عبد القادر: بين الحقيقة التاريخية وإمكانية التجسيد السينمائي»، الذي احتضنته كلية الفنون بجامعة قسنطينة 3، إن مشروع الفيلم ليس مجرد سيرة ذاتية أو عملا مغرقا في التمجيد، لذلك جاء الملتقى الذي أشرف عليه بمعية ثلة من الزملاء الأكاديميين، سعيا لجعل الأمير عبد القادر شخصية سينمائية عالمية، حيث تلتقي طرق التاريخ والأخلاق والإبداع الفني، وتحت مجهر علمي دقيق.

وكان السؤال المحوري حسبه هو: كيف يمكننا تصوير شخصية تاريخية بارزة كالأمير عبد القادر سينمائيا، كقائد سياسي وعسكري، ومتصوف، وشاعر وأديب وفارس، دون اختزال حياته المركبة إلى تبسيطات وتشويهات مؤدلجة، مع مراعاة متطلبات السرد والجمال والرمزية للسينما المعاصرة؟
وقد تطلب ذلك، كما قال، الاعتماد على مشاركة 59 متدخلا، 40 منهم حضوريا و19 عن بعد عبر تقنية الفيديو، وبمشاركة 33 جامعة، مع تشكيل فريق من الأكاديميين المتخصصين في السينما ومن المؤرخين، يتقدمهم رفقة الدكتور عبد الناصر جبار، والدكاترة الباحثين حسين بوبيدي، خير الدين سعيدي، إيمان هلال، وعتيق بن قدور. وذلك لإعداد ملف يقدم حلولا فعالة لإشكالية إنتاج فيلم السيرة الذاتية عن الأمير عبد القادر.
يقول المتحدث: «انطلاقا من التزامنا بميثاق أخلاقي وعلمي صارم، يجري فريقنا متعدد التخصصات بحثا معمقا حول هذه القضية، مستخدما منهجية واضحة وفعالة لتقديم مقترحات وحلول لهذا المشروع السينمائي قيد التطوير حاليا، وذلك في إطار مشاركة الجامعة والبحث العلمي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية».
وأضاف موضحا: «لطالما استأثرت شخصية الأمير عبد القادر باهتمام كبار المخرجين، إلا أن أحدا منهم لم ينجح في إخراج هذا المشروع السينمائي الكبير. وأحدث مثال على ذلك محاولة رون ماكسويل تحويل كتاب جون كايزر، «أمير المؤمنين: حياة الأمير عبد القادر وعصره»، إلى فيلم سيرة ذاتية».
موضحا أن التحدي الذي تواجهه السينما الكلاسيكية أو الكلاسيكية الجديدة يكمن في تصوير هذه الشخصية، في أنها تتحدى البنية البسيطة التي تحقق صدى عاطفيا قويا وتلامس بسهولة شريحة واسعة من الجمهور، كما هو الحال في أفلام مثل: «عمر المختار» للعقاد، و»بريف هارت» لميل جيبسون، و»لينكولن» لستيفن سبيلبرغ، و»سبارتاكوس» لستانلي كوبريك، التي تعتمد على بنية لاهوتية مسيحية، تقوم على المعاناة والاستشهاد والفداء.
ومن خلال هذا النهج، تحقق هذه الأفلام قوة عاطفية فورية يسهل على المشاهد فهمها. لكن تطور السينما المعاصرة يقدم بناء سينمائيا أكثر تنوعا وعمقا، مستخدما هياكل سردية حديثة.
بالتالي، يمكن تطبيق هذا السرد غير الخطي المعقد على شخصية الأمير عبد القادر، الذي يتميز، في رأيه، بتركيبة شخصيته، إذ تكمن فرادته التاريخية تحديدا في تجاوزه النموذج البطولي الكلاسيكي.
محاذير تصوير الشخصية
واعتبر بوالبردعة أن اختيار إنتاج دولي لفيلم عن الأمير عبد القادر ضرورة ملحة وفرصة عظيمة يجب اغتنامها، لكن هذا الاختيار ينطوي أيضا على مجموعة من المخاطر في غاية الحساسية.
وأبرز هذه المخاطر حسبه، هو تصوير شخصية الأمير من منظور غربي بحت، يختزله في بعده الإنساني (مع الآخر المختلف دينيا) فقط، حيث أنقذ حياة آلاف المسيحيين في سوريا. فمن الأهمية البالغة تناول شخصية الأمير عبد القادر في سياق عصره، عبر استحضار مختلف الصور التي عرفه الناس بها.ومن ذلك أنه في ذلك الوقت، كانت دولة غربية كبرى (الولايات المتحدة الأمريكية) تشاركنا تطلعاتنا التحررية من هيمنة ملوك أوروبا القديمة.وقد استمد الأمير شهرته وشعبيته في تلك الحقبة عقب انتصاراته الباهرة على الاستعمار الفرنسي، واستشهدت به الصحافة الأمريكية كمثال للبطل التحرري منذ معاركه الأولى ضد الجيش الفرنسي.وهذا ما يبرز، على حد تعبيره، بلوغ تجربته إلى مرتبة العالمية من خلال الصحافة، قبل فترة طويلة من منفاه في سوريا.
ومن الأمثلة على مخاطر اختزال الشخصية، نأخذ فيلم ريدلي سكوت «مملكة السماء»: خلال عملية اختيار الممثلين، سأل سكوت غسان مسعود عما إذا كان صلاح الدين شخصية حربية أم سياسية، كشرط لاختياره لتجسيد الشخصية. فأجاب مسعود بأنه سياسي، وفي نفس اليوم حصل على الدور.أما باسم ياخور، الذي كان مرشحا قويا لدور صلاح الدين، فيصر على أنه تم استبعاده بسبب بنيته الجسدية القوية التي توحي بالمحارب، وهو أمر أراد المخرج تجنبه بأي ثمن. فقد أراد سكوت إظهار الجانب السياسي لصلاح الدين، على حساب صورة المحارب والفارس التي رسخها التاريخ بوضوح.
ومن القضايا الرئيسية الأخرى في التمثيل السينمائي للأمير عبد القادر، تصوير روحه الصوفية. فكما نعلم جميعا، يقول بوالبردعة، بأن التصوف تجربة روحية، ومع أن الحقل المعرفي للتصوف يمكن مطالعته في الكتابات والأبحاث، ولكن كيف يمكن تمثيل تجربة روحية شخصية من خلال السينما؟
معلقا: «إن دمج الروح الصوفية في الفيلم عن الأمير أمر بالغ الأهمية. فهو يبرر إلى حد كبير اختياره الأخير بوقف الحرب ووضع السلاح، لحسابات تتداخل فيها جوانب عديدة، من بينها هذه الروح».مضيفا بأن استبدال المأساة وتضحية البطل، وهما عنصران أساسيان في أفلام السير الذاتية في السينما الكلاسيكية والحديثة، بنهاية صوفية فلسفية متعالية تتماشى مع أفكار وتقنيات السرد في السينما المعاصرة، هو التحدي الأكبر لفيلمنا.
واعتبر الباحث في الفنون، بأنه يعمل رفقة الفريق البحثي على تقديم ملف تقني شامل يضم إجابات نظرية لكل الأسئلة، إلى جانب طرائق لتحقيقها من خلال سيناريو وسرد مناسبين، باستخدام أحدث التقنيات السينمائية، مع ضمان مقترحات القيمة الجمالية للفيلم.

* جمال محمدي ناقد فني وباحث في السينما
السر في الموازنة بين النص السينمائي التاريخي وحدود الخيال
يقول الناقد الفني والسينمائي جمال محمدي، إنه غالبا ما تطرح إشكالات تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحقيقة التاريخية ومتطلبات الفيلم السينمائي، ولذلك يعد سيناريو الفيلم التاريخي إشكالية مركبة تشمل حتمية الموازنة بين الحقيقة التاريخية ومتطلبات العمل السينمائي. فالسيناريو ليس مجرد نص، بل هو العمود الفقري للعمل السينمائي.

ويرى الناقد، أن السيناريو هو ما يحدد الرؤية الدرامية والبصرية للفيلم لذلك وجبت الموازنة بين ثلاثة محاور رئيسة هي: أهمية الفيلم التاريخي وخصوصية النص السينمائي التاريخي، وحدود الخيال في هذا النوع من الأفلام.
وحسبه، فإن الفيلم التاريخي، سواء كان وثائقيا أو متخيلا، وسيط في غاية الأهمية في تشكيل الذاكرة الجماعية. فقد أصبحت السينما اليوم من أهم الوسائط التي يعتمد عليها الأفراد لفهم التاريخ وبناء مواقفهم تجاهه. وقد أنتجت السينما العالمية والعربية، في هذا السياق، أعمالا أصبحت مرجعا بصريا لفهم أحداث تاريخية، مثل: فيلم «الرسالة» (1976) للمخرج مصطفى العقاد، وفيلم «صلاح الدين الأيوبي» (1963) للمخرج المصري يوسف شاهين.
أما في السينما الجزائرية، فنذكر حسبه، «الشيخ بوعمامة» (1985) للمخرج بن عمر بختي، و»عبد الحميد بن باديس» (2016) للمخرج باسل الخطيب.
وقال إن خصوصية السيناريو التاريخي تتجلى في كونه يشتغل على مادة واقعية موثقة، لكنه في الوقت ذاته مطالب بتحقيق المتعة الفنية، وهنا يطرح السؤال: كيف يمكن الإبداع داخل حدود الحقيقة التاريخية؟في الواقع، كما عبر، تتضمن الأحداث التاريخية دائما مناطق ظل وغموض، وفي بعض الأحيان ثغرات، وهو ما يتيح لكاتب السيناريو هامشا للاجتهاد، شريطة الإلمام العميق بالسياق التاريخي. ويؤكد الفيلسوف والناقد المجري جورج لوكاتش، أن جوهر العمل التاريخي لا يكمن في سرد الأحداث فقط، بل في إعادة إحياء الدوافع الإنسانية والاجتماعية للشخصيات.
كما أن البعد الجمالي في السينما، الذي أشار إليه فريديريك هيجل، يقوم على تحقيق غاية أخلاقية ومعرفية، وهو ما ينطبق على السينما التاريخية بوصفها فنا يجمع بين المعرفة والمتعة.
ويبقى السؤال الجوهري في رأيه: كيف نوازن بين الخيال والحقيقة في الفيلم التاريخي؟ فلا يمكن إنجاز فيلم تاريخي دون توظيف عناصر تخييلية، لأنها ضرورية لبناء التشويق والبعد الدرامي. غير أن هذا التخيل يجب أن يظل منبثقا من روح المرحلة التاريخية، لا مناقضا لها.
وعليه، يمكن القول إن الخيال في الفيلم التاريخي ليس فقط مقبولا بل ضروريا، شرط أن يظل منضبطا بحدود الحقيقة التاريخية، فالسينما رغم طابعها الفني، تؤثر بشكل مباشر في تشكيل وعي الأفراد، وهو ما يحمل كاتب السيناريو مسؤولية مزدوجة «فنية وتاريخية». مع ذلك، مهما بلغ الفيلم التاريخي من الدقة، لا يمكن اعتباره وثيقة تاريخية، بل هو تأويل فني للتاريخ كما قال.

* فكية شهبوب أستاذة أدب وحضارة أنجلوسكسونية
تجاوز الثنائية الاستعمارية الأمير عبد القادر و»الفضاء الثالث»
تعتبر فكية شهبوب، أستاذة أدب وحضارة أنجلوسكسونية بجامعة قسنطينة، أنه من المهم في مشروع فيلم الأمير عبد القادر تحدي القالب النمطي التقليدي لـ»المقاومة» في السينما الجزائرية، إذ تقع معظم الأفلام التاريخية «سير الشخصيات» في فخ «السرد الارتكاسي»، الذي لا يوجد فيه البطل المستعمَر إلا كصورة مستمدة من رد الفعل تجاه المستعمِر، لذلك فمن المهم طرح بديل نموذج سينمائي مبادر في حياة الأمير يوظف مفهوم «الفضاء الثالث» ليظهر بطلا يتفوق معرفيا وأخلاقيا على الإطار الاستعماري المحاصر له.تقول الباحثة: «إننا لا نسعى هنا لاستحضار شخصية تاريخية من خلال عدسة النوستالجيا (الحنين)، بل لتفكيك هذه الثنائية، ففي السينما التاريخية غالبا ما يحصر الذات المستعمَر بين خياري الضحية أو المتمرد، لكنني أقترح خيارا ثالثا: السيادي».

فمن خلال تطبيق مفهوم «الفضاء الثالث» لهومي بابا، حسبها، تتسامى صورة الأمير عبد القادر فوق الفخ الاستعماري، ما يسمح بالانتقال من التركيز على ما «فعل» بالأمير، إلى ما «ألفه» الأمير وصنعه بذاته، مع رفض تصويره بطلا «انفعاليا»، فهو لم يكتف بالقتال، بل أعاد تعريف مفهوم الحضارة ذاته.
لذلك فإن تجسيد الأمير سينمائيا يتطلب الانتقال إلى «صورة الزمن» (Time-Image)، وهي مساحة من التأمل والعمق الروحي. فـ»هجانته» ليست مجرد خلط للثقافات، بل هي رفض استراتيجي لتنميطه كـ»محارب» أو «رعية».
موضحة: «في السينما التقليدية، نجد البطل إما مقاتلا في الجبال أو سجينا يحتضر، وهذا ما أسميه «الفخ الوستفالي»، أي الفكرة القائلة بأن فقدان الأرض يعني حتما فقدان القوة. لكنني أجادل بأن قوة عبد القادر كانت قوة «وجودية» (أنطولوجية)، فحتى دون شبر واحد من الأرض، ظل الرجل الأكثر سيادة في حوض المتوسط».
وحسبها، يجب أن يتأكد صناع العمل هنا من «هومي بابا»، فالفضاء الثالث ليس منطقة وسطى، بل «أرضية مخلخلة» للسائد. إنه الحيز الذي التقى فيه العمق الصوفي للأمير بعبقريته العسكرية ليخلقا كيانا عصيا على التصنيف في مخيلة المستعمر.
في السينما التقليدية، تقول فكية شهبوب، يظهر المستعمر كـ»تمديني» والمستعمَر كـ»بدائي»، لكن بتطبيق مفهوم «الهجانة»، نرى كيف كسر عبد القادر هذا القالب، فقد كان متصوفا يتهجد في صمت الليل، واستراتيجيا عسكريا يقود الآلاف في وضح النهار. كان يتقن لغة الدبلوماسية بقدر إتقانه لغة الإيمان.
وفي السينما، تخلق هذه الهجانة «فضاء ثالثا»، منطقة لا يعود فيها مجرد «محارب» ضد فرنسا، بل كينونة توجد في مستوى أخلاقي لا تستطيع القوة الاستعمارية بلوغه أو السيطرة عليه.

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com