
شهد اليوم الثالث من مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي في طبعته السادسة، افتتاح معرض "يوسف شاهين والسينما الجزائرية" بمحطة القطار بعنابة، في حدث جمع نخبة من نجوم السينما المصرية والجزائرية.
متابعة: حسين دريدح
و حضر الحفل السفير المصري عبد اللطيف اللايح، وعدد من الفنانين المصريين ، يتقدمهم المخرج خالد يوسف ، والممثلة سهير المرشدي و دالية مصطفى، وفنانون من البلدين أضفوا على المناسبة طابعاً خاصا بلمسة الاحتفاء بتاريخ السينما الجزائرية والمصرية.
وحسب محافظة المهرجان، يضم المعرض أكثر من 130 صورة نادرة تجمع بين مسيرة المخرج الراحل يوسف شاهين وصفحات مضيئة من تاريخ السينما الجزائرية، فضلاً عن معرض لمعدات التصوير السينمائي وصور أرشيف السينما الجزائرية، من تنظيم جمعية أضواء الجزائر.
وفي هذا السياق، صرّح محافظ المهرجان محمد علال قائلاً: اختيار محطة القطار بعنابة هو تحية واعية لعبقرية يوسف شاهين الذي خلّد المحطة في ذاكرة السينما العربية من خلال فيلمه الخالد "محطة القاهرة". أردنا أن تكون محطة عنابة امتداداً روحياً لتلك المحطة، وأن يلتقي التاريخان في مكان واحد تكريماً لرجل أحبّ الجزائر وأحبته." ويتواصل المعرض في رحاب محطة القطار ، في دعوة مفتوحة لعموم المواطنين والزوار للاطلاع على هذه الصفحات المضيئة من تاريخ السينما المصرية والجزائرية .
الاحتفاء بمئوية يوسف شاهين
وحسب ما جاء في تقديم الندوة التي حملت عنوان "عودة الابن الضال بعد خمسين عاما" احتفالا بالذكرى المئوية للمخرج السينمائي الشهير يوسف شاهين، التي عقدت في فندق سيبوس، والتي نشطها الكاتب إدريس بوديبة، بحضور المخرج المصري خالد يوسف، والممثلة سهير المرشدي، يظل اسم يوسف شاهين علامة فارقة، ليس فقط لموهبته الاستثنائية، وإنما أيضًا لعلاقاته الإنسانية والسياسية العميقة مع الشعوب العربية، وعلى رأسها الجزائر. فقد كانت الجزائر بالنسبة ليوسف شاهين أكثر من مجرد بلد إنتاج أو مكان تصوير، بل كانت صديقة وفية دعمت مسيرته الفنية وألهمته لإبداع أعمال تتجاوز حدود السينما لتصبح رمزًا للحرية والكرامة.
تجسدت هذه العلاقة، حسب عرض السيرة الذاتية الفنية، بين شاهين والجزائر في سبعينيات القرن الماضي، عندما ساهمت الجزائر في إنتاج فيلمه "العصفور"، الذي يعكس صراعات الإنسان العربي في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية، كما شاركت الجزائر أيضًا في إنتاج فيلم "عودة الابن الضال"، مؤمنة بأهمية دعم السينما العربية المستقلة ومنحها مساحة للتعبير الحر. هذه الشراكات لم تكن مجرد دعم مالي، حسب ما جاء في الندوة، بل كانت تعبيرًا عن ثقة الجزائر بالفن والإنسان، وعن حرصها على تعزيز الثقافة السينمائية العربية المشتركة.
وبعد هذه التجربة، بدأت علاقة يوسف شاهين بالجزائر تأخذ بعدًا رمزيًا وعاطفيًا أعمق، حين استلهم نضالها التحرري في أعماله، لاسيما فيلمه التاريخي "جميلة، الجزائرية" في 1958، الذي خلّد نضال البطلة جميلة بوحيرد، بعد عام واحد فقط من اعتقالها على يد الجنود الفرنسيين.
يوسف شاهين، المولود في 25 يناير 1926 في الإسكندرية، لم يكن مجرد مخرج، حسب ما قالته الممثلة المصرية سهير المرشدي، بل كان فنانا موهوبا يقدم الصورة ببراعة. فقد جسد في أكثر من أربعين فيلمًا خلال ستين عامًا من العطاء السينمائي تاريخ القرن العشرين من منظور مختلف، مقدمًا رؤية إنسانية ثاقبة للمجتمع، الثورة، والسياسة. من أعماله أيضا "محطة مصر"، "الاختيار"، و"عودة الابن الضال".
المخرج المصري خالد يوسف
كبار المخرجين المصريين تخرجوا على يد شاهين
قال المخرج المصري خالد يوسف، في شهادته على الراحل يوسف شاهين "كان هذا أول لقاء بيوسف شاهين، وأنا شاب صغير ثوري متحمس وجريء، يجد رجلاً على مشارف السبعين، أكثر حيوية وجرأة وتحمساً وتهوراً منه، ومن هنا أصبحنا قريبين جداً، وبدون مبالغة، أنا مختلف عن بقية الذين عملوا مع يوسف شاهين، والذين أصبحوا مخرجين لاحقًا، كلهم حلموا بالسينما، فذهبوا ليوسف شاهين ليتعلموا ويأخذوا هذه الفرصة، وكان حظهم عظيمًا بأنهم قبلهم وعلمهم، إلا أنا دخلت السينما بالصدفة بعد لقائي به.
وأضاف خالد يوسف" قابلت الأستاذ يوسف شاهين، وكنت حينها رئيس اتحاد طلاب الجامعة، ودعوته لندوة في الجامعة، سألني أنت مين أنا لا أذهب مع أحد لا أعرفه، أخبرني من أنت، فجلست معه لمدة 25 دقيقة تقريبًا، كنت أتحدث وهو يلقي الأسئلة وأنا أجيب، بعدها بفترة أخرج فيلم عن الواقع الطلابي أنداك من خلال الأحداث التي كنت أسردها عليه، وقبل الانصراف قال لي "أريد أن أقول لك شيئاً أهم من ذهابي معك، أنت يجب أن تكون سينمائيًا" وسألته لماذا فرد علي "لديك القدرة على أن تجعل المستمع يرى صورة، وهذه أولى صفات السينمائي، وأنت تمتلكها".
خفايا وأسرار مباراة خيخون و إقصاء الجزائر من المونديال
شهد عرض فيلم " خيخون" سهرة أول أمس، بالمسرح الجهوي عز الدين مجوبي، بحضور اللاعب رابح ماجر، اهتمام الجمهور، الذي توافد بشكل لافت لمتابعة أسرار ملحمة جيل 1982 وخفايا المؤامرة التي تعرضت لها الجزائر.
وقد حاول المخرج الجزائري سامي فاعور، من خلال هذا العمل المزج بين العمل الوثائقي والدراما والرياضة، حيث قُدم للجمهور باللغة العربية، و استحضر الفيلم إحدى أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ الرياضة: "مباراة العار" بمونديال 1982.. يقود النجم الجزائري رابح ماجر هذه الرحلة الوثائقية، عائداً إلى كواليس مواجهة ألمانيا الغربية والنمسا التي أقصت الجزائر بتواطؤ مفضوح. يمزج العمل بين الأرشيف النادر والشهادات الحية، كاشفاً خفايا المؤامرة التي غيرت قوانين اللعبة للأبد. هذا الفيلم يعد حسب ما جرى في المناقشات التي جرت بعد عرض الفيلم، أبعد من مجرد تحقيق رياضي، حيث يطرح الفيلم أسئلة جوهرية حول العدالة، والذاكرة الجماعية، وكيف يمكن لمباراة كرة قدم أن تتحول إلى رمز للهوية الوطنية وصمود الشعوب. يقول المخرج الحاضر في عرض الفيلم بأنه عمل سينمائي يجمع بين التحقيق المعمق واللمسة الإنسانية، لإنصاف جيل ذهبي سلبت منه أحلامه فوق العشب الأخضر، مضيفا بأن "عرض فيلم خيخون 1982" بعنابة قبل فترة وجيزة من انطلاق المونديال مصادفة رائعة".
وعبر أســـطورة كـــرة القـــدم الجزائريـــة رابـــح ماجـــر عـــن ســـعادته بتفاعـــل الجمهور العنابي خلال العـــرض الأول لفيلم "خيخون 1982" وقال ماجـــر فـــي كلمـــة ألقاهـــا بمســـرح "عـــز الديـــن مجوبـــي" عقب عرض الفيلم " هذا العمل يوثق هـــذه المحطـــة الهامـــة فـــي تاريخ الكـــرة الوطنيـــة رغم مرارة الإقصاء بسبب "المؤامـــرة" التي تـــزال محفـــورة فـــي ذاكرة الجزائرييـــن الذيـــن لـــن ينســـوا ما حدث في تلك النسخة من المونديال". وأشار إلى أن التداعيـــات والأصـــداء العالميـــة لتلـــك المبـــاراة أجبـــرت الاتحـــاد الدولـــي لكـــرة القـــدم تغييـــر قوانيـــن اللعبـــة تفاديـــا للتلاعـــب بالنتائج.
ويروي الفيلم أحداث كأس العالم 1982 بإسبانيا، حين قدّم المنتخب الجزائري أداءً بطولياً بفوزه التاريخي على ألمانيا الغربية (2-1)، وهو الإنجاز الذي هز أركان الكرة العالمية وقتها. ورغم النتائج المبهرة، أُقصي المنتخب الجزائري من الدور الأول بسبب المباراة الشهيرة بين ألمانيا الغربية والنمسا في مدينة خيخون، والتي انتهت بنتيجة (1-0) لصالح الألمان؛ في لقاء وصفته الصحافة العالمية بـ "المهزلة"، حيث تبادل الفريقان الكرة بطريقة سلبية تضمن تأهلهما معاً وإقصاء الجزائر. أثارت تلك الحادثة غضباً عالمياً واسعاً، واعتُبرت "ظلحاً رياضياً صارخاً"، وظلت راسخة في الوجدان الجزائري كرمز للقهر والظلم في آن واحد.
فيلم "فلسطين 36" الثورة الكبرى ضد الاحتلال البريطاني
يعد فيلم "فلسطين 36" من أبرز الأفلام التي تعالج تاريخ القضية الفلسطينية، والتي عرضت لحد الآن بمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، حيث يروي الفيلم أحداث الثورة العربية الكبرى ضد الاستعمار البريطاني في فلسطين بين عامي 1936 و 1939 إبان فترة الانتداب. يسلط العمل الضوء على تعقيدات الصراع السياسي والاجتماعي في تلك الحقبة المفصلية، مستعرضاً القصة من خلال شخصيات متنوعة تعكس أطياف المجتمع الفلسطيني والجانب البريطاني. شهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2025، حيث نال إشادة نقدية واسعة بفضل رؤيته الإخراجية. كما أثار الفيلم نقاشات فكرية معمقة حول دقته التاريخية وكيفية تجسيده لذاكرة المقاومة، ليصبح وثيقة سينمائية هامة تستحضر نضال شعب وتحديات مرحلة صاغت مستقبل المنطقة، موازناً بين البعد الدرامي والتوثيق التاريخي بأسلوب فني ممتع ومؤثر.