
برز مشهد "سرقة المناشف" في نهائي كأس أمم إفريقيا بين المغرب والسنغال، كحدث طاغٍ بعد تتويج السنغال باللقب، ولا تزال تداعياته تصنع حلقات من السخرية بين كبرى القنوات العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي.
عثمان . ب
ولم تكن مشاهد التعنيف وسرقة مناشف حارس المرمى السنغالي مجرد لقطة عابرة انتهت مع صافرة الحكم، بل تحولت تلك الحركات المتهورة إلى فضيحة عالمية ومادة دسمة للسخرية، وفوق ذلك كانت مرآة عاكسة لحالات مشابهة، إذ يمكن لأي متابع للشأن المغاربي، ومتصفح لمحركات البحث عبر الشبكة العنكبوتية ومنصات التواصل الاجتماعي وقنوات اليوتيوب أن يستخلص أن تلك الحادثة التي تناقلتها كبرى القنوات العالمية ما هي إلا سلوكيات بسيطة مقارنة بسرقات أخرى، فالعقلية التي تستبيح ممتلكات الخصم في الملعب، حتى ولو كانت منشفة، هي ذاتها التي تحاول منذ سنوات السطو على تاريخ، ثقافة، وتراث البلد الجار الجزائر.
منشفة الحارس ..قطرة من بحر السرقة
أثار سلوك اللاعبين والتقنيين المغاربة في مباريات الفريق خلال الكان، وآخرها في النهائي ضد السنغال، استهجان واستغراب الجماهير الرياضية في العالم ، بعد أن وثقت عدسات المصورين معارك جانبية وطقوسا غريبة تتضمن الاعتداء على حراس المرمى وسرقة مناشفهم، في مشهد يعكس، حسب محللين ومتابعين، إفلاسا أخلاقيا ورياضيا، كما أن هذا السلوك يكشف عن نزعة الاستحواذ بأي ثمن ومن دون التقيد بقوانين اللعبة، وهي النزعة التي لم تقتصر على المستطيل الأخضر بل هي تقليد راسخ شمل مختلف الحقول، كانت الجزائر ضحيته الدائمة، في مسلسل طويل من محاولات السطو على موروث ثقافي وتاريخي جزائري، في عملية ممنهجة تهدف إلى صناعة تاريخ وهوية على حساب جهود المبدعين والفنانيين والمفكرين الجزائريين.
محاولات السطو على الذاكرة الفنية
يكشف تاريخ السطو على الموروث الجزائري، أن الأمر لم يتوقف عند محاولات تبني أغنية الراي ونسبها للمغرب، بل وصل حتى إلى الأغاني الجزائرية الوطنية، والتي من أبرزها روائع التراث الجزائري، وكان أكثرها فجاجة السطو على ألحان وكلمات أغاني أيقونة الأغنية الجزائرية رابح درياسة.
فالأغنية الشهيرة "هذه البداية ومازال مازال" التي مجّد فيها درياسة أبطال الفريق الوطني الجزائري الذي تألق في الثمانينيات، والتي تعد جزءا من الذاكرة الجمعية للجزائريين، تم تحويلها واستنساخها لتصبح بقدرة أهل السطو أغنية مغربية في سطو فاضح و تعد صارخ على الملكية الفكرية الفنية.
قنوات ومواقع التواصل تسقط أقنعة السطو
كان من السهل طمس الحقائق وتزييف التاريخ الفني، في زمن البث الأرضي والقنوات المحدودة، لكن مع بروز عصر السوشيال ميديا والتدفق المعلوماتي أميط اللثام عن واحدة من أكبر قضايا الوسط الفني إثارة للجدل، فأصبح من السهل اكتشاف السرقات والقرصنة الممنهجة للأغنية الجزائرية ونسبها لغير أصحابها من خلال قنوات التواصل الاجتماعي واليوتوب، فالمتتبع لأرشيف الحصص والقنوات التلفزيونية المغربية، والتي يعاد نشرها وتداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، يكتشف حجم الاجرام في نسب أغان جزائرية لفنانيين مغاربة من دون خجل ولا حياء رغم أن الأغاني المسروقة حققت نجاحات كبيرة وتعدت شهرتها حدود الوطن .
رشيد برياح اللص غير الظريف
ولعل من أبرز هذه الحالات، قضية الفنان المغربي رشيد برياح، الذي واجهه اعلامي مغربي في بودكاست بحقائق حول سطوه على رائعة "مبروك علينا هاذي البداية و مازال مازال" لعميد الأغنية الجزائرية رابح درياسة، وكذا أغنية "ما عندي حاجة في الناس" ولحن للمغنية سلوى الجزائرية مع تغيير طفيف في الكلمات تحت عنوان "طريق وجدة".
هذا المغني المعروف بسطوه على الأغاني الجزائرية، وجد نفسه محاصرا بالأدلة، واعترف أخيرا باستعماله للحن أغنية الراحل درياسة، مبررا ما قام به بما سماه "الذكاء" في استغلال اللحن وتعديل الكلمات لتتناسب مع اللهجة المغربية، في محاولة للالتفاف على تهمة السرقة، لكن هذا الاعتراف جاء ليضرب مصداقية تصريحاته السابقة .
ففي أرشيف التلفزيون المغربي، ظهر سابقا مدعيا أمام إحدى المذيعات التي سألته عن الأغنية المقدمة سنة 1986 وكأنه هو من كتبها ولحنها، وسرد حينها قصة زاعما أنه استلهمها وهو يعايش مباريات المنتخب المغربي في المونديال ! أمام هذا الوضع، خرج عبدو درياسة، نجل الراحل رابح درياسة، في تصريح ليوضح الحقائق، مؤكدا أن والده هو مالك الأغنية قبل أكثر من ثلاثين سنة، تزامنا مع مشاركة الجزائر في مونديال المكسيك 1986، مضيفا أن له جميع الحقوق والملكية الفكرية الموثقة، معربا عن أسفه الشديد لمثل هذه التصرفات، مشيرا إلى أنه كان بإمكان الفنان المغربي إعادة أداء الأغنية بشرط التحلي بالأمانة الأدبية وذكر كاتبها وملحنها الأصلي، بدلا من نسبها لنفسه.
حمى السرقة تنتقل في برامج الهواة ومسابقات الغناء
الظاهرة لم تتوقف عند جيل الثمانينيات، بل امتدت لتشمل برامج المسابقات الغنائية العربية الحديثة، فقد شهدنا مؤخرا متسابقاً شابا يؤدي نفس الأغنية "مبروك علينا" ناسبا إياها للتراث المغربي، وتكرر قبلها المشهد مع متسابق في برنامج (ذو فويس) الذي أدى أغنية "يا الزينة" لفرقة بابيلون الجزائرية، مقدما إياها للحكام والجمهور على أنها من "التراث الغرناطي المغربي" دون أي خجل، والأمثلة كثيرة لا يمكن حصرها، في مشهد يعكس استباحة كاملة للملكية الفكرية الجزائرية.
نجوم الصف الأول وسقطات التقليد
لم يسلم من يوصفون بكبار الفنانين من فخ السرقة الفنية، فقد أثار سعد لمجرد جدلا واسعا عندما قدم أغنية "الشمعة" من الطابع الشعبي الجزائري للراحل كمال مسعودي في تصريحاته وتحديدا في مهرجان جرش بالأردن، على أنها أغنية مغربية، متجاهلا أن القاصي والداني يعلم جزائرية الأغنية وصاحبها، ولم تكن هذه سابقة، إذ سبق له تحريف أغنية للشاب حسني لحنا وكلمات ونسبها لنفسه.
أغنية (الزين اللي عطاك الله) هي الأخرى تعرضت للسرقة من قبل مغنين مغاربة، مع نسبها لتراثهم، في حين أن أصلها جزائري، وقد سبق للفنان الجزائري حسين لصنامي أن أكد في حصص تليفزيونية السطو عليها، مضيفا أنه هو من كتبها ولحنها في بداية الثمانينيات (1982)، وسماها (زينك هولني)، وغناها عزيوز رايس ثم حميدو في 1989.
وكشف لصنامي في مقابلات تلفزيونية أن مغنين مغاربة سرقوها ونسبوها إلى التراث المغربي.
وقدم المغني المعروف بـ "لحبيطري" أغنية الممرضة لرابح درياسة على أنها جديده الفني، لكنه نال جزاءه حينما سخرت منه احدى المقدمات في التلفزيون التونسي، التي كانت على دراية تامة بأن العمل يعود لرابح درياسة، كما لم تسلم أغنية "يا العوامة" لدرياسة أيضا من السرقة، فقد قدمت في استوديوهات مغربية عبر المغني مراد الأسمر وغيرها من الفنانين بصفتها فلكلور محلي وتراث مغربي.
فنانون أم ببغاوات يقتاتون من فتات الفن الجزائري ؟
ومع تكرار مثل هذه الاعتداءات الممنهجة، فتح الباب واسعا أمام ظاهرة أشباه الفنانين، الذين تحولوا إلى "ببغاوات" يقتاتون على فتات أغاني الراي الجزائرية لصناعة شهرة زائفة وكسب ود الجمهور، مستغلين تقارب اللهجات للسطو على إرث فني عريق، لولا أن ذاكرة الشعوب وتوثيق المنصات الرقمية كانا لهم بالمرصاد.
ولا يختلف اثنان من المؤرخين الموسيقيين على أن مهد أغنية الراي هو الغرب الجزائري، وتحديدا مدن سيدي بلعباس، وعين تموشنت، ووهران، حيث ظهر مع بدايات القرن العشرين، أين صدحت أصوات الشيوخ والشيخات مثل الشيخة الرميتي بهذا الفن، مانحين الإنطباع بأن أغنية الراي لم تكن مجرد نمط موسيقي عابر، بل كانت منذ نشأتها الأولى في الغرب الجزائري صرخة اجتماعية، وتأريخاً ليوميات المهمشين، وصوتا للشباب الحالم، لتحلق بعدها عبر حناجر جزائرية خالصة في سماء العالمية، مع ظهور جيل الثمانينيات والتسعينيات، بقيادة الشاب خالد، الشاب حسني والشاب مامي، ليخرج الراي من الأحياء الشعبية الجزائرية ليغزو مسارح باريس ونيويورك وأوروبا و جميع قارات العالم .
"الراي" الجزائري ومحاولات الاستحواذ
وتحولت أغنية الراي بحكم انتشارها الواسع إلى مادة دسمة لتجاذبات سياسية وثقافية حادة، تجسدت في محاولات متكررة لتبني المغرب هذا التراث ونسبه إليها، في خطوة وصفت بـمحاولة السطو الممنهج على الذاكرة الوطنية، وبدأت ملامح الاستيلاء حينما شرعت المغرب في تنظيم مهرجانات سنوية لموسيقى الراي أشهرها في مدينة وجدة، مستغلة القرب الجغرافي والتشابه الاجتماعي بين وجدة والغرب الجزائري للترويج لفكرة أن الراي "تراث مغاربي مشترك"، في حين الأهداف المبطنة كانت تستهدف تمييع هوية الراي ونزع صفة الجزائرية الحصرية عنه.
وقد تصاعدت هذه المحاولات عبر استقطاب نجوم الراي الجزائريين ومنحهم الجنسية المغربية، والترويج إعلامياً لمفهوم أن الراي لا وطن له، في محاولة لطمس حقيقة أن هذا الفن وُلد من رحم المعاناة الاجتماعية الجزائرية الخالصة.
وأمام هذه المحاولات اليائسة، تحركت الدولة الجزائرية عبر وزارة الثقافة لحماية موروثها، ليتم الحسم في ديسمبر 2022، بادراج منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) غناء الراي في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، واعترفت به كتراث جزائري خالص.
بين الكسكس و الزليج والقفطان الثقافة الجزائرية وسهام القرصنة
لم تكن محاولات السطو على الراي حوادث معزولة، بل تندرج ضمن سياق أوسع شمل الزليج، والقفطان، وأطباق تقليدية مثل الكسكس، مما يجعل من حماية التراث الجزائري قضية حفاظ على رموز وطنية.
ولم تقتصر الحرب الثقافية التي تخوضها الجزائر لحماية هويتها على الطبوع الغنائية، بل تمتد إلى فصول أخرى لتطال المطبخ واللباس، فبعد معركة الراي، تزايدت محاولات السطو على التراث المادي الجزائري وحتى التراث المشترك، وجعله تراثا "حصريا" للجارة الغربية، في مشهد يهدف إلى تفريغ الذاكرة الجزائرية من محتواها الحضاري، ونسبه إلى طرف آخر يسعى لاحتكار تراث المنطقة المغاربية وتسويقه سياحيا وثقافيا لصالحه.
ولعل قضيتي الزليج والقفطان وقبلهما طبق الكسكسي، هما العنوان الأبرز لهذه المعركة المستمرة، التي انتقلت من منصات التواصل الاجتماعي إلى أروقة المحاكم والشركات العالمية ومنظمة اليونسكو.
وشهد عام 2022 محاولات يائسة في فصل من فصول المواجهة، حينما احتجت وزارة الثقافة المغربية على شركة (أديداس) العالمية، زاعمة أن تصميم قميص الإحماء للمنتخب الجزائري لكرة القدم يتضمن سرقة لنمط "الزليج" المغربي.
لكن الرد الجزائري كان موثقا بالأدلة التاريخية، فالتصاميم الهندسية الموجودة على القميص مستوحاة بدقة متناهية من زليج قصر المشور بمدينة تلمسان، عاصمة الزيانيين، التي تعتبر متحفاً مفتوحاً للفن الإسلامي والأندلسي في الجزائر، كما أن فن الزليج كان منتشرا عبر العديد من المناطق بما في ذلك ولايات الشرق الجزائري، إذ لا تزال شواهد بالمتاحف والزخارف في المنازل شاهدة على ذلك.
وقد انتهت تلك الزوبعة باعتراف ضمني من الشركة العالمية بجزائرية الاستلهام، مما شكل صفعة لمحاولات احتكار هذا الفن المعماري الذي يزين القصور والمساجد العتيقة من القصبة إلى قسنطينة وتلمسان، ويشهد على عمق الحضارة الإسلامية في الجزائر التي لا يمكن اختزالها أو مصادرتها.
محاولة يائسة لمحو أثر قفطان القاضي والشدة التلمسانية
ولا يقل الصراع على محاولات طمس الهوية الجزائرية في اللباس، إذ يحاول الطرف المغربي تسويق القفطان كماركة مسجلة حصرية له، متجاهلا حقائق التاريخ والجغرافيا، فالقفطان بحسب كبار المصممين والمخاصين، وإن كان لباسا مشتركا في الحوض المتوسطي، إلا أن للجزائر بصمتها الخاصة والموغلة في القدم، والمتمثلة في قفطان القاضي وتفاصيل الشدة التلمسانية.
واستند الدفاع الجزائري إلى اعتراف عالمي مبكر، فقد صنفت اليونسكو الشدة التلمسانية، التي يعد القفطان جزءا رئيسا منها تراثا إنسانيا عالميا وبعدها قفطان القاضي بمنطقة الشرق الجزائري، مع التأكيد على أن القفطان المتوارث في العديد من المدن الجزائرية، بما في ذلك العاصمة، عنابة، قسنطينة، وتلمسان، هو إرث عثماني وأندلسي تكيّف مع الذوق الجزائري عبر قرون، ولم يتم استيراده حديثا كما تروج بعض الدوائر المغربية.
ويرى باحثون في الأنثروبولوجيا أن إصرار المغرب على افتعال أزمات حول التراث الجزائري، من طبق الكسكسي إلى الراي، وصولاً للزليج والقفطان، ليس مجرد غيرة فنية، بل هو استراتيجية تهدف إلى احتكار الصورة النمطية للمغرب العربي في المغرب، والترويج لمحاولة إظهار التراث الجزائري وكأنه نسخة مقلدة، بينما تؤكد الشواهد التاريخية أن الجزائر، بموقعها المتوسطي وتاريخها الأمازيغي والعثماني والزياني والحمادي، تمتلك خزانة تراثية مستقلة وقائمة بذاتها، لا تحتاج لتقليد أحد.
اغتيال الإرث الفكري في مأساة محمد أركون
ولعل أخطر حلقات هذا المسلسل هو ما يتجاوز التراث المادي ليصل إلى السطو على القامات الفكرية،إذ تبرز قضية المفكر العالمي محمد أركون المولود بتيزي وزو بالجزائر، كدليل صارخ على هذه السياسة، فبعد وفاته، لم تكتفِ جهات مغربية بمحاولة (مغربة) أصوله ونتاجه الفكري، بل امتدت لتستحوذ على مكتبته الشخصية، التي نُقلت إلى المغرب وسجنت في المكتبة الوطنية هناك، تحت غطاء الهبة الذي نسجت خيوطه زوجته الثانية المغربية ثريا اليعقوبي منذ مدة تزيد عن العقد، وهو ما أثار حينها حفيظة ابنته سيلفي أركون من أرملته الفرنسية، التي شككت في رواية طلبه الدفن بالمغرب، كونه بقي يحتفظ بجنسيته الجزائرية إلى أخر رمق من حياته، وأكد هذا الطرح شقيقه .
كما نشرت سيلفي كتابا عن والدها وعادت إلى مكان مولده ونشأته، لتثبت منبته الجزائري وتكشف عن محاولات حرمان الجزائر من إرث أحد أبنائها.
ووفقا لشهادات متداولة وتصريحات سابقة لابنته، فإن عملية الاستحواذ هذه لم تكن ثقافية فقط، بل اتخذت طابعا لا إنسانيا، حيث أشارت إلى حرمانها وعائلته بفرنسا من والدها وهو حي، وبعد وفاته من ميراثه المادي وحقوقهم، في انتهاك صارخ للأعراف والقوانين، خاصة في ما يتعلق بالتصرف في مكتبته الخاصة ومنحها كهبة بقرار فردي من زوجته المغربية.
الجزائر ومعركة توثيق الهوية عبر اليونسكو
أمام الحملات المسعورة التي طالت اللباس التقليدي (القفطان، الشدة التلمسانية)، والموسيقى، المطبخ وحتى الشخصيات التاريخية، وجدت الجزائر نفسها مضطرة لخوض معركة دبلوماسية وثقافية في أروقة منظمة "اليونسكو"،فلم يعد الأمر مجرد ترف ثقافي، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية الذاكرة من التزوير.
ولقد دفعت هذه السلوكيات الجزائر إلى تسريع وتيرة تسجيل تراثها المادي واللامادي، لتثبيت الحقوق تاريخيا وقانونيا، وقطع الطريق على محاولات القرصنة والسرقة التي باتت سياسة رسمية لدى الجارة الغربية، على غرار تحرك وزارة الثقافة مثلما تم ذكره سابقا لحماية أغنية الراي، و وضعها من قبل اليونيسكو أواخرسنة 2022،في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، واعترفت به كتراث جزائري خالص.
وسجلت منظمة اليونيسكو، قفطان القاضي جزء من الزي النسوي الاحتفالي للشرق الجزائري الكبير،بوضعه ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي في ديسمبر 2024، كتطور تاريخي من زي قضائي تركي الأصل إلى زي احتفالي نسائي في قسنطينة وتلمسان، كما سجل القفطان الجزائري، ضمن عادات زي الزفاف التلمساني، أو ما يعرف بالشدة التلمسانية، منذ سنة 2012، بينما أُدرج القفطان المغربي كعنصر منفصل في ديسمبر 2025، مع تأكيد اليونسكو على التراث المشترك دون حصر الأصل بدولة واحدة.
إن ما حدث في ملعب المباراة مع السنغال ليس حدثا معزولا، بل هو تجل لثقافة الاستباحة، فمن يجد الجرأة لسرقة منشفة أمام عدسات الكاميرات العالمية، وسرقة إرادة شعبه بالارتماء في حضن العدو التقليدي للشعب وصديق الأمس واليوم للمخزن من خلال التطبيع الذي كان سرا وأصبح جهارا نهارا من دون حياء وبل أضحى يشكل مصدر فخر من أبواق النظام وكأنه تحول إلى إنجاز تاريخي، ناهيك عن محاولة سرقة مصير شعب بأكمله في احتلال جائر للصحراء الغربية، واللعب على ورقة الحكم الذاتي، فمن يفعل كل هذا لن يتردد في سرقة أغنية، أو كتاب، أو تاريخ أمة بأكملها في الخفاء، غير أن التاريخ، مثل الحقيقة، لا يمكن تغطيته بمنشفة،كما أن الذاكرة الجزائرية تظل عصية على النسيان أو التزييف بعراقتها وتوغل جذورها عبر التاريخ.
ع . ب

في حي سيدي مبروك الأعلى بولاية قسنطينة، لا يلفت الانتباه محل Maison Luna فقط بما يعرضه من أجبان مختلفة، بل بما يحمله من قصة شغف وتجربة شخصية طويلة، بطلها الحرفي رضا بن شيخ الحسين، الذي اختار أن يصنع الجبن كما تصنع الحكايات بجودة وإتقان.
لم تكن علاقة رضا بصناعة الأجبان وليدة الصدفة، فقبل أن يصبح حرفيا في هذا المجال، كان مربي أبقار ومنتجا للحليب، تجربة يومية جعلته قريبا من المادة الخام، فاهما لطبيعتها، ومدركا لتحديات هذه الشعبة، خاصة في الفترات التي عرفت أزمات متكررة في صناعة الحليب.
من تربية الأبقار لصناعة الأجبان
يقول رضا إن رغبته في تطوير هذه الشعبة كانت الدافع الأساسي لدخوله عالم الأجبان، فلم يكتفِ بالإنتاج الأولي، بل بحث عن طريقة تمنح للحليب روحا أخرى و ذوقا يبقى في الأذهان وتمنحه طريقا مختلفا من المزرعة إلى المائدة.
يؤكد رضا أن هذه الحرفة تعلّمها من أشخاص ذوي خبرة طويلة في المجال، تنقل، سأل، راقب، وتعلّم تفاصيل دقيقة لا تدرَس في الكتب، ومع الوقت، اكتشف أن لديه شغفا حقيقيا، وقدرة على صناعة أجبان ذات جودة عالية بأيدٍ جزائرية وبحليب مزرعته الخاصة، هذا الشغف لم يبقَ فكرة، بل تجسّد على أرض الواقع، ليتحوّل إلى مشروع واضح المعالم، مبني على الشغف وحب الإبداع قبل التجارة و الربح.
Maison Luna اسم له جذور
اختيار اسم Maison Luna لم يكن اختيارًا تجاريا بحتا، كما يوضح رضا، فالاسم يحمل دلالة خاصة مرتبطة بأرض العائلة، أرض عريقة متوارثة منذ زمن البايات، بالنسبة له، كان من المهم أن يعكس الاسم هوية المكان، وتاريخه، وارتباطه بالجذور.
ويرى رضا أن المستهلك القسنطيني تغيّر كثيرًا في السنوات الأخيرة، فحين لا يجد جبنًا محليًا بنوعية جيدة، يلجأ مباشرة إلى الأجبان المستوردة، ويرجع ذلك إلى عامل مهم، وهو سفر الكثير من الجزائريين، خاصة إلى بلدان أوروبية، ما أكسبهم خبرة في تذوق الأجبان، وقدرة على التمييز بين الجيد والرديء، هذا التحدي لم يكن عائقا بالنسبة له، بل فرصة استغلها في تطوير منتجاته، واضعا نصب عينيه زبونا يعرف ما يريد ولا يقبل بالجودة المتوسطة.
أجبان بروح قسنطينية
لا يكتفي رضا بصناعة الجبن فقط، بل يؤمن بأن الحرفي الحقيقي يجب أن يعرف كيف يخلط بين الأذواق. لذلك، حتى المنتجات التي تخلط مع الجبن، مثل الزيتون أو التوابل أو المخللات، هي منتجات مختارة بعناية، وغالبًا ما تكون من صنع حرفيين آخرين، هذا الاختلاط خلق منتجا يحمل بصمة جماعية، ويعكس روح التعاون بين أصحاب المهن التقليدية.
يعمل رضا حاليا على تطوير نوعين من الجبن خاصين بمدينة قسنطينة، في محاولة لإعطاء هوية محلية واضحة لمنتجاته، أحد هذه الأنواع عبارة عن خليط بين الجبن ومنتجات حرفيين آخرين، مثل التوابل والمخللات، في تجربة تزاوج بين النكهات.
وفي Maison Luna، تتعدد الأصناف من اللبنة الطبيعية المتبلة، إلى جبنة ألفيتا المختلطة بالمخللات والتي تُقدَّم كسلطة جبن، مرورًا بالجبن اليوناني المحضر بالزعتر وزيت الزيتون، وصولا إلى صلصات الجبن مثل الكامبير.
ورغم النجاح الذي عرفه المحل، يؤكد رضا أن هدفه ليس التوسع السريع أو فتح فروع متعددة، ففلسفته بسيطة وواضحة تتمثل في التركيز الكامل على الجودة فبالنسبة له، الجودة ليست شعارا، بل التزام يومي، يبدأ من الحليب وينتهي بثقة الزبون.
عبد الغاني بوالودنين

لا تعد قسنطينة مجرد مدينة يعبر أزقتها يوميا شباب ومراهقون في طريقهم إلى الدراسة أو العمل. فهناك جيل جديد بدأ يكتشفها من الداخل، يسير عبر مسالكها الصخرية، وينزل إلى عمق وديانها، ويتعرف على تاريخها خارج قاعات الدرس. هكذا تحولت المدينة بالنسبة للعديد من أبنائها إلى تجربة تعاش وفضاء مألوف إلى عالم مليء بالمفاجآت.
جيل يتعرف على مدينته لأول مرة
لم يأتِ هذا التحول من فراغ، بل تقوده مبادرات شبابية وجمعيات سياحية ورياضية جعلت من قسنطينة وجهة داخلية لأبنائها قبل أن تكون وجهة للزوار.
خرجات ميدانية، وجولات ثقافية، ونشاطات بيئية ورياضية كلها أعادت تقديم المدينة لجيل وُلد فيها لكنه لم يعرفها حقًا.
شباب يكتشفون مدينتهم لأول مرة ومشهد يتكرر في كل خرجة دهشة على الوجوه، ونظرات إعجاب، وأسئلة لا تنتهي لشباب عاشوا سنوات طويلة في قسنطينة، ومرّوا فوق جسورها عشرات المرات، لكنهم لم ينزلوا يومًا إلى الأسفل، ولم يتخيلوا أن في قلب مدينتهم وديانًا عميقة، ومسالك وعرة، وكهوفًا مخفية تعود لعصور جيولوجية ماضية تؤرخ لوجود الإنسان مثل كهفي الدببة و الأروى.
يقول شباب سبق لهم المشاركة في خرجات إلى معالم المدينة ومنطقة الريميس، إن الوقوف أسفل جسر سيدي مسيد أو باب القنطرة يمنح منظورًا مختلفًا تمامًا عمّا يراه المرء من الأعلى. فالإحساس بارتفاع الصخور الشاهقة وبالفراغ الطبيعي يمنح انطباعا بالتواجد في مكان مختلف خارج المدينة رغم أن هذه المواقع تقع في قلبها.
يترك ذلك حسب عامر، وهو شاب في الطور الثانوي شارك في خرجة رفقة أصدقائه، أثرًا عميقًا في نفوس.
أما زملاؤه الذين أكدوا لنا أن التجربة تعتبر الأولى من نوعها لهم كشباب من المدينة، فقالوا:» هذه اللحظة ليست مجرد انبهار عابر بل بداية علاقة جديدة مع قسنطينة التي كنا نراها في الصور فقط».
برنامج مختلف يقترحه « نادي المغامرة»
من بين المبادرات التي فتحت هذا الأفق أمام الجيل الصاعد، يبرز «نادي المغامرة والنشاطات الجبلية»، وهي جمعية شبانية متخصصة في السياحة الجبلية والنشاطات البيئية والرياضية. تأسس النادي في 10 أكتوبر 2016، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا وهو تكوين الشباب على حب الطبيعة، وتشجيعهم على ممارسة المشي الجبلي والرياضات الجبلية، والمساهمة في الحفاظ على البيئة والتعريف بالمناطق السياحية.أخبرنا رئيس الجمعية بلال تنيو، أن اختيار قسنطينة كمجال رئيسي للنشاط لم يكن اعتباطيًا، بل لأنها مدينة «تملك مقومات طبيعية هائلة لممارسة النشاطات الجبلية، وطبيعتها الصخرية تساعد على التسلق واستكشاف الكهوف».
لكن الأهم بالنسبة له هو البعد التربوي للشباب، حيث يقول « الدافع الحقيقي لتنظيم الجولات داخل قسنطينة هو غرس ثقافة السياحة الجبلية لدى الشباب والعائلات، وتعريفهم بمدينتهم بطريقة ميدانية تجعلهم يعيشون المكان ولا يكتفون برؤيته فقط». أوضح محدثنا، أن خرجـات النادي تمتد من غابات جبل الوحش المريج، ذراع الناقة وشطابة، وتشمل المشي أسفل الجسور وصولًا إلى الجولات الأثرية نحو مدينة تيديس، ومع كل مسار يتشكل وعي جديد لدى المشاركين.
الفتيات في طليعة الأفواج الاستكشافية والسياحية
يؤكد القائمون على هذه الأنشطة أن أغلبية المشاركين في الخرجات الاستكشافية والسياحية من الشباب، خصوصًا فئة الفتيات. وحسبهم، كثيرات منهن لا تتاح لهن فرصة السفر خارج المدينة فيجدن في هذه الخرجات فرصة لاكتشاف قسنطينة من زاوية مختلفة في فضاء منظم وآمن.يوضح ذلك بلال تنيو قائلًا :»لاحظنا أن فئة الشباب، وخاصة الفتيات هي الأكثر إقبالًا على خرجات قسنطينة. هؤلاء لم يكونوا يعرفون مدينتهم من قبل، واليوم أصبحوا أكثر ارتباطًا بها وأكثر فخرًا بالانتماء إليها».
وخلال فترات العطل، تنضم العائلات بدورها لهذه المجموعات كما علمنا منه، لكن يبقى الشباب هم المحرّك الأساسي لهذه الديناميكية الجديدة.
تواصلنا مع بعض المشاركين الأوفياء للخرجات التي ينظمها النادي، وقد أكدوا أن تتغير نظرتهم للمدينة والحياة فيها تتغير مع كل تجربة ومغامرة جديدة.
قال البعض، وبينهم طلبة جامعات وموظفون ومراهقون، إنهم كانوا يعبرون بشكل دائما فوق الجسور دون أن يلتفتوا لما تحتها ثم اكتشفوا فجأة عالمًا مختلفًا بعدما باتوا يشاركون في خرجات الاستغوار والاستكشاف التي تنظمها النوادي و الجمعيات القسنطينية.
تحدثت موظفة في سلك أمني، أنها اكتشفت صخورا منحوتة طبيعيًا على ضفاف وادي الرمال، ومسارات مخفية، ومناظر طبيعية تبدو وكأنها خارج قسنطينة رغم أنها في قلبها. وهذا الاكتشاف يولّد حسبها شعورًا بالفخر. شباب آخرون، أوضحوا بأنهم ما كانوا يدركون قيمة مدينتهم، وأن هذه الجولات جعلتهم ينظرون إليها بعين مختلفة، فقسنطينة لم تعد مجرد فضاء روتيني للعيش، بل مدينة تملك طابعًا بصريًا مهيبًا وتاريخًا حيًّا يستحق الاحترام، وهو ما يفقون عليه في متاحفها ومعالمها أين يقرؤون أيضا دورسا من التاريخ.
نادي تيديس استغوار و سياحة ورياضة
إلى جانب نادي المغامرة، ينشط «نادي تيديس» كإطار شبابي يجمع بين السياحة والرياضة. أسسه طارق بوراس سنة 2021، وهو موظف إداري في بلدية قسنطينة وناشط في مجال السياحة البديلة والرياضات الجبلية. هدف النادي كما يوضحه مؤسسه، هو إبراز الجمال الطبيعي والتاريخي للمدينة، ونشر روح المغامرة، وتشجيع الشباب على السياحة الداخلية وحماية البيئة والمعالم التاريخية.
يقول طارق في هذا السياق :» اخترنا قسنطينة لأنّها مدينة فريدة بتضاريسها وتاريخها وعمقها الحضاري، لكنها للأسف غير مستغلة سياحيًا بالشكل الكافي خاصة من طرف شبابها. وجدنا أن الخرجات الميدانية هي الوسيلة الأنجع لتعريف الجيل الصاعد بمدينته.»
يضيف، ينظم النادي جولات إلى أماكن معروفة، لكنه يركّز أيضًا على اكتشاف زوايا مخفية داخل المدينة مثل المغارات تحت الجسور، المسارات الطبيعية، الأحياء القديمة، وصولًا إلى مواقع أثرية مثل تيديس، التي غالبًا ما تكون مفاجأة حتى لسكان الولاية أنفسهم.
التاريخ يدرس خارج الكتب
ما يميّز هذه الجولات بالنسبة للشباب ليس فقط عنصر المغامرة، بل البعد الثقافي والتربوي. فالزيارات الميدانية تجعل التاريخ ملموسًا حسبه، يشمل ذلك الجسور المعلّقة، القصور، الأحياء القديمة، والمواقع الأثرية تتحول من صور في الكتب إلى فضاءات حية.
يؤكد طارق بوراس هذا البعد قائلًا :» نحن نربط كل مكان بسياقه التاريخي والثقافي. نادينا يلعب دورًا تحسيسيًا وتربويًا قبل أن يكون رياضيًا. عندما يفهم الشاب قيمة المكان، يتعلم احترامه وحمايته، و بهذا الأسلوب لا يبقى التاريخ مادة جامدة، بل يتحول إلى تجربة يعيشها الشاب بقدميه وعينيه، فتترسخ في ذاكرته بشكل أعمق».
وعي بيئي وسلوك جديد لدى الجيل الصاعد
وإلى جانب التعريف بالمدينة، تزرع هذه المبادرات في الشباب وعيًا بيئيًا واضحًا، فقبل كل خرجة يتم التأكيد على احترام المكان وعدم ترك النفايات، وفي كثير من الأحيان تُنظَّم حملات تنظيف ميدانية
وهو ما يشير إليه بلال تنيو قائلاً:»نحن نحرص على أن يفهم الشباب أن الاستمتاع بالطبيعة لا يعني تخريبها، بل نحاول أن نغرس فيهم ثقافة احترام البيئة والمعالم التاريخية، لأنهم هم من سيحمل هذه المسؤولية في المستقبل».تتحول المغامرة بهذه الطريقة حسبه، إلى ممارسة واعية ويصبح الشاب شريكًا في حماية مدينته لا مجرد عابر.
رغم الإقبال المتزايد من الشباب، لا تخلو التجربة من صعوبات وتعقيدات إلى جانب نقص في التهيئة، وغياب الإشارات الإرشادية في بعض المواقع، كما قال محدثنا مشيرا أيضا إلى أماكن لا يمكن الوصول إليها حاليًا مثل بعض الكهوف والمسارات.
ومع ذلك، يواصل القائمون على هذه الجمعيات عملهم بإصرار ويعبّر طارق بوراس عن ذلك بقوله: “التوفيق بين ممارسة الرياضة الجبلية والحفاظ على الطابع البيئي والتاريخي ليس سهلاً لكننا ملتزمون بمبادئنا، كما نحرص على دراسة المسارات مسبقًا ومرافقة المشاركين، واحترام المكان قبل كل شيء.».
ولم تعد هذه الجولات مجرد نشاطات ترفيهية، بل تحولت إلى فضاء تربوي يصنع وعيًا جديدًا لدى الشباب، والعديد من المشاركين يعودون لاكتشاف أماكن أخرى، ويشجّعون أصدقاءهم على الانضمام، فيتحول الاكتشاف إلى ثقافة شبابية جماعية.
مشاريع مستقبلية مثل «قسنطينة الخضراء»
وتهدف مبادرات أخرى إلى إنشاء مسارات منظمة وغنية بالمحطات التثقيفية، تعكس طموح شباب في جعل المدينة مدرسة مفتوحة. ويوجه ناشطون رسالة إلى الجيل الصاعد مفادها أن قسنطينة تستحق أن تُرى بعيون جديدة. ويقول بلال تنيو :»اكتشفوا مدينتكم فالجمال أقرب مما تتصورون.» كما يضيف طارق بوراس :» الشباب هم مستقبل قسنطينة، وهم القادرون على تغيير صورتها حين يعرفونها حق المعرفة. ويتفق الجميع على أهمية الحفاظ على البيئة وتشجيع التشجير لأجل « قسنطينة خضراء» وهو مشروع يعتزم شباب إطلاقه و دعمه مستقبلا.
عبد الغاني بوالودنين

تتزايد المخاطر المرتبطة بالاستهداف السيبراني مع تضاعف استخدام الأطفال للإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما جعل المنظومة الأمنية السيبرانية في الوقت الحالي ركيزة أساسية لحماية الأطفال من التهديدات الإلكترونية المتنوعة.
لينة دلول
وفي هذا السياق، يؤكد مختصون للنصر، أن اعتماد مقاربات أمنية متكاملة تجمع بين التقنيات الحديثة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والتوعية الرقمية والأطر القانونية، بات ضرورة لضمان فضاء افتراضي آمن يحد من مظاهر التحرش والابتزاز وسرقة المعطيات الشخصية التي يتعرض لها الأطفال عبر الشبكة.
* الخبير في الذكاء الاصطناعي عبد الرحيم رماش
هذه التطبيقات تضمن حماية سيبرانية للمستخدمين القصر
وأكد الخبير في الذكاء الاصطناعي عبد الرحيم رماش، أن نظام الأمن السيبراني يمثل مجموعة متكاملة من التقنيات، والسياسات والإجراءات والقوانين، والوعي البشري المصممة لحماية البيئات الرقمية من التهديدات السيبرانية.
وأضاف المتحدث، أن الأمن السيبراني لا يقتصر على البرمجيات وحدها بل يشمل أيضا التعليم، والمراقبة والاستجابة للحوادث والأطر القانونية وذلك لضمان فضاء رقمي آمن وموثوق لاسيما للفئات الضعيفة مثل الأطفال.
وأكد الخبير، أن نظام الأمن السيبراني يحمي الأطفال من خلال عدة طبقات منسقة، أبرزها الوقاية من حيث استخدام أدوات الرقابة الأبوية، وتصفية المحتوى، وإدارة الخصوصية وإعدادات الأمان.
ويمكن من خلال تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدام التعلم الآلي وتحليل السلوك الكشف عن الأنشطة المشبوهة، مثل التحرش عبر الإنترنت أو التنمر الإلكتروني.
كما تتم الاستجابة، من حيث آليات الإبلاغ السريع وتعليق الحسابات المشبوهة، والتدخل القانوني عند الضرورة.
وذكر المتحدث، بعض الأدوات المدمجة المجانية التي تستخدم لحماية الأطفال سيبرانيا، كـ «آبل سكرين تايم» التي توفر حدودا للاستخدام وتصفية المحتوى وجدولة أوقات التوقف. و«غوغل فاميلي لينك» الذي يتيح الموافقة على التطبيقات، وكذا فرض القيود وتتبع الموقع، بالإضافة إلى «مايكروسوفت فاميلي سايفتي» والذي يوفر إدارة وقت الشاشة والمحتوى والمشتريات.
محدودية الخبرة الرقمية تجعل الأطفال فريسة سهلة للاستهداف
وأضاف المتحدث، أنه يتم استهداف الأطفال في الفضاء الإلكتروني لمحدودية الوعي والخبرة الرقمية، والقابلية العالية للتأثر بالتلاعب والخداع، بالإضافة إلى الثقة المفرطة في التفاعل عبر الإنترنت، وكذا الاستخدام المكثف لمنصات وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية دون إدراك كامل للمخاطر.
وأوضح الخبير، أن أشكال الاستهداف الإلكتروني للأطفال تتعدد وأبرزها التحرش الجنسي عبر الإنترنت، وسرقة الهوية، واختطاف الحسابات، والتعرض لمحتوى ضار أو غير لائق، وكذا الابتزاز الإلكتروني باستخدام البيانات الشخصية أو الصور.
وبين الخبير، أن التحديات الأمنية في حماية الأطفال على الإنترنت تتمثل في التطور السريع للتهديدات السيبرانية مقارنة بالحلول الدفاعية ونقص الوعي الرقمي لدى بعض العائلات. إضافة إلى الأعباء الاجتماعية التي تعيشها العديد من الأسر الجزائرية، وصعوبة مراقبة المنصات المشفرة خاصة وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، ناهيك عن التوازن بين حماية الأطفال واحترام حقوق الخصوصية.
الذكاء الاصطناعي للكشف عن حالات التحرش
وذكر رماش، بأنه يتم استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي للكشف عن التحرش بالأطفال عبر الإنترنت، وذلك من خلال تحليل أنماط السلوك.
حيث تدرب هذه الأنظمة على مجموعات بيانات ضخمة للتعرف على المؤشرات التحذيرية التي تدل على سلوك تلاعبي أو استغلالي، وتصنيفه كمحتوى غير مرغوب فيه، ويتم ذلك عبر تحليل السلوك، أي أن نماذج التعلم الآلي تراقب أنماط التفاعل مثل تكرار الرسائل، تغير نبرة الخطاب، محاولات نقل المحادثات إلى منصات خاصة.
بالإضافة إلى معالجة اللغة الطبيعية والتي تستخدم تقنيات معالجة اللغة الطبيعية لتحليل النصوص والكشف عن اللغة غير اللائقة، والتلاعب العاطفي، وكذا العبارات التي تهدف إلى بناء الثقة حتى عند استخدام اللغة العامية أو المشفرة.
مع الإشراف على الصور والمحتوى، بحيث تستطيع نماذج الرؤية الحاسوبية اكتشاف وحظر الصور ومقاطع الفيديو الضارة أو غير اللائقة، عبر طمس المحتوى الحساس، وحذف المحتوى غير المناسب للأطفال. كما تقوم الأنظمة بحسب المتحدث، بالتنبيهات والتدخل في الوقت الفعلي عند اكتشاف نشاط مشبوه، ويمكن للأنظمة الذكية تقييد التفاعلات تلقائيا باستخدام سير العمل الآلي من خلال إرسال تنبيهات للمشرفين.
الذكاء الاصطناعي نظام مهم للأمن السيبراني
وأكد الخبير، أن المنصات الإلكترونية تتعامل مع ملايين التفاعلات يوميا، مما يجعل المراقبة اليدوية أمرا شبه مستحيل، لذلك تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي في الكشف السريع والدقيق.
موضحا، أنه من بين التطبيقات التي تعمل بنظام الذكاء الاصطناعي وتقدم خدمة الكشف السريع، تطبيق barK، الذي يوفر مراقبة شاملة للرسائل النصية ووسائل التواصل الاجتماعي، وYouTube، مع تنبيهات ذكية للسلوكيات الخطرة، إلى جانب تطبيق Qustodio الذي يقدم تقارير مفصلة وتصفية للمحتوى وحدودا زمنية. ويمكن استعمال تتبع GPS عبر عدة منصات، إضافة إلى تطبيق Net Nanny الذي يتميز بتصفية قوية للمحتوى وتتبع للموقع، مع واجهة استخدام سهلة.
وكذا Norton Family الذي يركز على الواجبات المدرسية وقواعد الأسرة ضمن منظومة أمان، وكذا FamilyTime الذي يوفر حظر التطبيقات وتنبيهات الموقع ومراقبة النشاط.
وعن فعالية أنظمة تصفية المحتوى مقارنة بمراقبة السلوك، قال المتحدث بأن أنظمة تصفية المحتوى تركز على حظر الوصول إلى المواد الضارة مثل المحتوى العنيف، أو الجنسي، أو المتطرف.
أما نقاط قوة هذه الأنظمة في منع المحتوى الضار المعروف، فمناسبة للأطفال الصغار والبيئات الخاضعة للرقابة مثل المدارس والشبكات العائلية.
وبخصوص القيود، أوضح أنها تعتمد على قواعد محددة مسبقا، مثل الكلمات المفتاحية أو القوائم السوداء، والتي يمكن تجاوزها باستخدام اللغة المشفرة أو المحتوى الجديد، مما يجعلها أنظمة حماية ثابتة. في حين توظيف أنظمة مراقبة السلوك لتحليل أنماط التفاعل والسلوك بمرور الوقت، لأجل تحديد المخاطر نقاط قوتها استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي للتكيف مع التهديدات الجديدة.
أما قيودها فهي أكثر تعقيدا في التنفيذ والإدارة حسبه، وتتطلب إشرافا بشريا لتقليل الإجابات الخاطئة، أي تصنيف محتوى آمن على أنه خطير كما يحدث أحيانا عند تصنيف بريد عادي على أنه Spam. وأكد المتحدث، أن تصفية المحتوى تعمل كخط دفاع أول، وتوفر مراقبة السلوك حماية أعمق وأكثر مراعاة للسياق.
وأشار في ذات السياق، أن التشفير من طرف إلى طرف يضمن أن المرسل والمستلم فقط هما القادران على قراءة الرسائل، وهو أمر بالغ الأهمية من أجل منع الوصول غير المصرح به، أو القرصنة، أو سرقة الهوية، كما يضمن تأمين الاتصالات بين العائلات، والمدارس، وخدمات دعم الأطفال.
وذكر، أن التحديات التقنية في كشف الجرائم الإلكترونية ضد الأطفال في الألعاب عبر الإنترنت، تتمثل في «السرية والهويات المزيفة»، وذلك لأن هاتين الخاصيتين تسمحان لمستخدمي عديد منصات الألعاب باستعمال أسماء مستعارة مع تحقق محدود من الهوية، ما يصعب تحديد العمر الحقيقي للمستخدم أو نواياه.
وتحدث الخبير كذلك، عن القنوات المشفرة أو الخاصة، إذ تقلل الدردشات الخاصة والاتصالات المشفرة من قدرة المنصات على مراقبة السلوك الضار مباشرة، إلى جانب ارتفاع تكلفة الألعاب وانتشار التنزيلات غير الآمنة.مؤكدا أنه في الجزائر، تعد العديد من الألعاب باهظة الثمن بالعملة المحلية الدينار الجزائري، ولتفادي التكاليف يلجأ بعض الأطفال إلى تنزيل نسخ مقرصنة أو مزيفة، مما يعرضهم للبرمجيات الخبيثة ومحاولات القرصنة، وانتهاكات الخصوصية، وهذا يزيد من قابلية تعرضهم للتهديدات الإلكترونية.
وأضاف المتحدث، أن عمليات التحرش تطورت عبر الإنترنت مع ظهور الذكاء الاصطناعي، وذلك بعدما أصبحت روبوتات الدردشة قادرة على محاكاة المحادثات البشرية، والحفاظ على تفاعل مستمر مع الأطفال دون تدخل بشري مباشر. وأشار، إلى انتشار الوسائط المزيفة والاصطناعية، اذ أن الذكاء الاصطناعي يتيح إنشاء ملفات تعريف مزيفة، بصور رمزية وصور اصطناعية واقعية مما يسهل كسب ثقة الأطفال واستغلالها.
* الخبير في الذكاء الاصطناعي عبد النور بولسنان
المنظومة السيبرانية لحماية الطفل هي منظومة شاملة
من جهته، أوضح الخبير في الذكاء الاصطناعي عبد النور بولسنان، أن حماية الأطفال من الذئاب الإلكترونية أصبحت ضرورة ملحة في ظل التحول المتسارع نحو العالم الرقمي.
وأكد، أن المنظومة الأمنية السيبرانية تعد إطارا متكاملا يضم تقنيات وسياسات، وهيئات رقابية، هدفها الأساسي حماية الأفراد والمجتمع من المخاطر الرقمية.
وأشار، إلى أن الأمن السيبراني يساهم بشكل مباشر في حماية الأطفال نفسيا واجتماعيا داخل الفضاء الرقمي، موضحا أن المنظومة السيبرانية لحماية الطفل هي منظومة شاملة تبدأ قبل وقوع الخطر وأثناءه وبعده. كما أن المنصات الرقمية تبنى منذ البداية على افتراض وجود طفل ضعيف يحتاج إلى الحماية، وهو ما يعد المفتاح الأول لنجاح هذه المنصات.
وأضاف المتحدث، أن للذكاء الاصطناعي دورا محوريا في هذا المجال من خلال تدريب الآلات لتشكل حاجزا وقائيا للأطفال، مع القدرة على الكشف المبكر عن المشكلات التي قد يتعرضون لها داخل الفضاء الرقمي.
وأكد بولسنان، أن الأطفال يستهدفون بشكل كبير في الفضاء السيبراني بسبب ضعف وعيهم بمخاطر الإنترنت، وقلة خبرتهم الرقمية وانخفاض مستوى الإبلاغ، إضافة إلى ترددهم في إخبار أوليائهم بما يتعرضون له. وأوضح، أن أشكال استهداف الأطفال متعددة أبرزها الاستدراج الإلكتروني، إذ يتسلل المجرم إلى عالم الطفل عبر المصادقة، ثم يعمل على عزله عن أسرته ليبدأ لاحقا في الابتزاز. أما عن التحديات الأمنية التي تواجه حماية الأطفال في الفضاء السيبراني، فأشار إلى صعوبة التوفيق بين حق الطفل في الخصوصية وحقه في الحماية. إضافة إلى تحدي التحقق من هوية الطفل خاصة أن بعض الأطفال يتحايلون باستخدام أسماء وهمية أو رفع أعمارهم الحقيقية. وهنا يبرز تحليل السلوك الرقمي كحل فعال للتعامل مع هذه الإشكالات.
ومن بين التحديات الأخرى، لفت بولسنان، إلى أن المجرمين باتوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي لصالحهم، من خلال إنشاء صور مزيفة يصعب التمييز بينها وبين الصور الحقيقية، وتقليد أصوات ولهجات الأطفال، وصناعة شخصيات رقمية جذابة تستهدف استمالة الطفل واستدراجه.
وأوضح، أن تصفية المحتوى الرقمي لا تعتمد على قواعد ثابتة مرتبطة بكلمة أو صورة معينة، بل تقوم على مراقبة السلوك والسياق العام للمحادثة، وتحليل التدرج في العلاقة والأهداف الخفية، وهو ما يسمح برصد محاولات استدراج الأطفال بدقة أكبر.كما أكد الخبير، أن الألعاب الإلكترونية تحولت إلى مساحات اجتماعية تفاعلية خطيرة، تفتح المجال للتواصل مع مجهولين من مختلف الفئات ومن شتى أنحاء العالم، مشيرا إلى أن هذه الألعاب تعد الفضاء المفضل للمجرمين لاستدراج الأطفال، لكونها أماكن تجمعهم الطبيعية.
* الأخصائية النفسية وفاء معوش
يجب تثقيف الأطفال بخصوص الجرائم الإلكترونية
أكدت الأخصائية النفسانية وفاء معوش، أن الطفل اليوم ينشأ في عصر سريع التغير، حيث يعد استخدام الإنترنت والتكنولوجيا من أكثر الأنشطة التي يشترك فيها الصغار في الوقت الراهن، وذلك لما توفره من مزايا عديدة تتعلق بالتعلم، الاتصال، التسلية، والترفيه. ومع ذلك، يثير هذا الاعتماد على التكنولوجيا قلقا كبيرا لدى الآباء، نتيجة احتمالية تعرض الأطفال لجرائم إلكترونية تجعلهم في مواجهة مخاطر لا تتناسب مع أعمارهم. ومن بين هذه المخاطر، ذكرت المضايقات والتنمر الإلكتروني الذي يؤدي إلى عواقب وخيمة على صحتهم النفسية والعاطفية، والابتزاز الجنسي الذي يعد من أكثر المخاطر التي يتعرض لها الطفل، إذ يترك آثارا نفسية وجسدية تؤثر على شخصية الطفل وهويته، وذلك لأنه غالبا ما يكون فريسة سهلة للمجرمين الذين يستخدمون الإنترنت كأداة لجريمتهم.
كما أضافت الأخصائية، أن الأطفال قد يصبحون ضحايا لعمليات الاحتيال من خلال تقديم معلوماتهم الشخصية أو إجراء معاملات عبر الإنترنت، والإدمان على الألعاب الإلكترونية مما يعيق نموهم الاجتماعي ويؤثر على قدرتهم على التركيز في الأنشطة الأخرى المهمة.كما أن مخاطر الإنترنت قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل القلق والعزلة الاجتماعية، والتقلبات المزاجية، وتدني تقدير الذات، وأعراض الانسحاب، مثل عدم الاهتمام بالواجبات المدرسية، والإدمان على الشاشات.
وقد تؤثر هذه المخاطر بشكل سلبي على النوم والروتين اليومي نتيجة للتعرض لمحتويات عنيفة، أو التنمر، أو المقارنات الاجتماعية غير الواقعية، مما يخلف فجوة بين الواقع والخيال، ويؤثر على شخصية الطفل وسلوكه.
الاستراتيجيات النفسية لحماية الأطفال
اعتبرت الأخصائية، أن الحل يكمل في الحوار المفتوح والرقابة الأبوية وتثقيف الأطفال حول مخاطر الإنترنت والجرائم الإلكترونية، ناهيك عن تشجيع الأطفال على عدم مشاركة معلوماتهم الشخصية.وأشارت، إلى توجيه استخدام التكنولوجيا بما يتناسب مع القيم الاجتماعية والمهارات الحياتية، ومراقبة الألعاب الإلكترونية بحيث يجب على الآباء الانتباه إلى الألعاب التي يلعبها أطفالهم ومحاورتهم ومشاركتهم في هذه الأنشطة، لتجنب انغماسهم فيها وانعزالهم اجتماعيا.وشددت الأخصائية، على ضرورة دعم الأطفال الذين يتعرضون للمخاطر عبر مبادرات وقائية، من خلال تعزيز برامج التوعية بالمخاطر والعواقب التي قد تترتب على استخدام الإنترنت، ونشر ثقافة التوعية الجنسية، ونشر الثقافة الرقمية من خلال المدارس والمراكز الثقافية والرياضية.
كما أضافت، أنه يمكن الإبلاغ عن أي شكل من أشكال انتهاك حقوق الطفل، مثل العنف، التحرش أو المخدرات، عبر الرقم الأخضر.وأضافت الأخصائية، أن حماية الطفل هي مسؤولية الجميع، وأن السلطات الجزائرية تعمل على تعزيز مبادرات وقاية الطفل من الجريمة الرقمية ومنها إنشاء خلية اليقظة السيبرانية، وهي منظومة مركزية تعمل على مدار 24 ساعة بهدف جمع البيانات من الشكاوى الواردة، ومتابعة الأفراد والشبكات المشبوهة لتحديد المخاطر بشكل مبكر، والتدخل الفعال من خلال كشف ورصد ومعاينة المحتويات الرقمية ومعالجتها بشكل فوري.
"الحياة بدون قطط ناقصة… وجدت عالمي مع القطط، أخاف أن أموت وتبقى القطط من بعدي دون رعاية" بهذه الكلمات، وبنبرة مرتجفة ودموع تنساب من عينيها، عبرت الملقبة بـ أم القطط، الممثلة السينمائية والتلفزيونية صبرينة بوقرية، عن علاقتها العميقة بهذه المخلوقات الأليفة، التي تحول حبها لها إلى التزام يومي ومسؤولية إنسانية لا تعرف التراجع. النصر تكشف في هذا البورتريه، جانبا آخر من حياة الممثلة التي فتحت قلبها وبيتها لرعاية 80 قطا، توفر لهم الغذاء والعلاج والنظافة، داخل منزلها المتواضع ببلدية الخروب.

منزل مقسم بعناية وغرف مخصصة لكل القطط
زارت النصر منزل الممثلة صبرينة بوقرية التي استقبلتنا بابتسامة عريضة وهي محاطة بقططها الثمانين التي تلتف حولها بموائها وتتبعها في كل حركة تقوم بها داخل المنزل وكأنها أمهم التي لا يفارقونها كما لفتت انتباهنا رائحة النظافة رغم العدد الكبير للقطط ما يعكس حرصها الشديد على راحة هذه الكائنات وسهرها الدائم على نظافتها وصحتها.
يتكون منزل صبرينة حسب ما وقفنا عليه من طابق أرضي وفناء منزلي تتنقل فيه القطط بحرية، وفرت لهم صبرينة سلالم خشبية للصعود إلى أغصان الأشجار والشرفات، لمراقبة المشهد الخارجي لمنطقة زراعية مطلة على المنزل، حيث يمر المارة وتتحرك الأبقار والدجاج والبط والخرفان، في مشهد يومي يستهوي القطط ويكسر عزلتها.
ولتأمين المكان، قامت أم القطط بتسييج سقف المنزل حتى تمنع خروج قططها إلى الشارع أو دخول قطط أخرى قد تنقل أمراضا معدية في إجراء يعكس وعيا صحيا وتنظيما دقيقا.
داخل المنزل، وقفنا على تقسيم مدروس بعناية فقد خصص الرواق الأول والصالون لإقامة القطط، قبل أن تفتح لنا بابا ظنناه خاصا بها لكنه كان مفاجأة أخرى.
حيث تقول صبرينة بعد صمت ونبرة حزينة خافتة، إن هذا القسم مخصص للقطط المريضة ففي غرفتها الخاصة تعيش قطتان معاقتان تستعملان الحفاضات إلى جانب قطط أخرى، كل واحدة تعاني مرضا مختلفا بينما خصصت الغرفة المجاورة للقطط المصابة بأمراض معدية، منعا لانتشار العدوى.
أما في المطبخ، فقد لفت انتباهنا قط غارق في نوم عميق، لا يستجيب إلا عندما تناديه باسمه، لتخبرنا صبرينة بأنها عاشت ليلة سوداء رفقة هذا القط، بعدما ارتفعت حرارته إلى 41 درجة، ولم يغمض لها جفن طوال الليل خوفا عليه.
لاحظنا بالمطبخ أن عدد الثلاجات يصل إلى ثلاث لتوضح لنا أنه مخصص بالكامل لحفظ طعام القطط، نظرا لكميات الأكل الكبيرة التي تطهوها لهم يوميا في قدر كبير وعلى باب الثلاجة علقت لوائح تنظيمية، وأوضحت بأنها خاصة بمواعيد تعقيم القطط وأوقات الأدوية، والزيارات البيطرية.
المغامرة بدأت في سن الخامسة ولم تنته إلى اليوم
تروي الممثلة السينمائية بأن حكايتها مع القطط لم تبدأ صدفة بل ولدت معها منذ الطفولة كغريزة رحمة مبكرة وكوصية غير مكتوبة ورثتها عن والدتها. حيث كانت أمها تفتح بيتها للقطط المشردة وتمنح عنايتها لتلك المريضة والمنهكة التي لا تجد مأوى وكأن الرحمة كانت لغة البيت الأولى هناك، لتتعلم صبرينة في طفولتها أن بعض الأرواح لا تطلب سوى فرصة للعيش.
أول قطة لا تزال تسكن ذاكرة صبرينة، تعود إلى عمر الخامسة حيث دخلت قطة البيت وولدت ثلاثة صغار المكي، سلطان، وهدى منذ تلك اللحظة، بدأت المغامرة ولم تنته إلى اليوم. تقول صبرينة إن القط حتى وإن رحل بالموت لا يترك فراغا طويلا فسرعان ما تعوضه بروح أخرى وكأنها تخشى الصمت الذي يخلفه الغياب أكثر من حزن الفقد.
في البداية، لم يتجاوز عدد القطط أربعا أو خمسا كما أوضحت صبرينة حيث كانت تربية بسيطة، حذرة، لكنها سرعان ما تحولت إلى قناعة بأن حياتها خلقت لتنقذ.
موضحة بأنها شعرت بأن الله سخرها لهذه الأرواح البريئة، لتكون ملجأها الأخير ويدها حين تخذلها الشوارع.
أكدت صبرينة أنها عندما كانت تقطن في شقة صغيرة من غرفتين بالمدينة الجديدة علي منجلي بدأت بأربع قطط، ثم ست ثم تضاعف العدد حتى ضاق المكان، وضاقت معه الأرواح إذ بحسبها لم تعد الجدران كافية فالقطط تحتاج إلى شمس إلى أشجار، إلى فناء يشبه الحرية.
لهذا اتخذت قرارها و غيرت المكان بعد بحث دام 8 أشهر وغيرت نمط الحياة وانتقلت إلى منزل أرضي وسط منطقة زراعية لتمنح قططها مساحة تشبه الطبيعة التي حرمت منها طويلا.
القطط عوّضتني عن الحنان الذي أحتاجه بعد وفاة أمي وأبي
وذكرت صبرينة أنها بعد وفاة والديها وجدت نفسها وحيدة حيث ابتعد الأقارب وخفت الزيارات، فامتلأ الفراغ بمواء وصارت القطط أنسها الوحيد، واصفة إياها بأنها أحن من البشر ، وملاذها حين يثقل الصمت.
وذكرت أن أول قطة أنقذتها من الشارع كانت شبه جثة مرمية على الطريق عاجزة حتى عن المواء حملتها بين ذراعيها، وأخذتها إلى البيت، ثم إلى الطبيب، وقدمت لها الإسعافات الأولية، وكأنها تنقذ طفلا لا يعرف كيف يطلب النجدة.
وقالت صبرينة أن الألم الأكبر في حياتها هو العجز عن إنقاذ قطة رغم كل المحاولات، لكنه يهون قليلا لأن القطط تموت بين يديها، في بيت دافئ، تربت على رؤوسها وتمسح دموعها، ولا ترحل مجهولة في الشارع.
أما اللحظة الأسعد عند صبرينة ، فهي حين تنتشل قطة من موت محتم إحساس يشبه المعجزة، لا يمكن اختزاله في كلمات لهذا السبب، لا تعيد أي قطة إلى الشارع بعد إنقاذها أو تبنيها، فالنجاة في قاموسها، لا تكتمل بالعودة إلى الخطر.
أعرف بأم القطط
وقالت صبرينة بأنها تسمي نفسها أم القطط، وتناديهم أطفالي كما تحكي لزملائها عن مغامراتهم اليومية، عن فوضاهم، عن مرضهم عن شفاءاتهم الصغيرة، وكأنها تحكي عن أبناء حقيقيين.
وأشارت في ذات السياق أن لكل قطة اسم لأن الاسم هو الهوية، وهو النسب وهو الاعتراف بالوجود لذا تختار أسماء قططها وفق صفاتها أو قصصها.
فعلى سبيل المثال قط أبيض، أصم، عيناه زرقاوان، أسمته "زرقو"، رغم صوته العالي الذي لا يسمعه.
قطة كانت تدعى "نجية"، شقيقها "ناجي"، لأنهما أنقذا من الموت، لكن القطة تحول اسمها إلى "نينجا" بسبب أسلوب لعبها السريع والمراوغ. ثلاث إخوة فقدوا مربيتهم، احتارت في تسميتهم، فاختارت مقولة شعبية "شادي بادي ندي هادي ولا هادي انا خيرت بنت بلادي"، لتمنحهم اسم شادي، بادي، هادي.
أما القطة حبيبة فسميت نسبة لأسلوبها الحنون، أما "معجزة"، وهي قطة في عمر السنتين بجسد رضيع أي قزمة بسبب إصابة عندما كانت صغيرة خلفت خللا عصبيا ونمويا، لذا فعيشها كان أشبه بالمعجزة.
أما القط مخلوع، فسمي لهذا الاسم لأنه دائم الفزع، والقطة طيارة، لأنها لا تمسك وتجلس في مكان معين، والقط "سايح" لأنه يسيل بحنانه، وميهة، القط الذي يعشق الماء بعكس طبيعته إلى جانب زورو، جميلة، شوقر، هتلر، كيوي، وبولينا.
القطط المعاقة قريبة من قلبي
وقالت المتحدثة، أن كل القطط قريبة من قلبها لكن القطط المعاقة لها مكانة خاصة، لأنها تحتاج حنانا مضاعفا، أما جميلة، فحبها مختلف لأن قصتها مختلفة، حيث توضح بأنه في سنة 2023، وأثناء تصوير مسلسل السويقة، صادفت منشورا على فايسبوك لفتاة وجدت قطة مصابة بحادث ولا تملك إمكانيات علاجها.
تواصلت معها، والتقت بها في اليوم التالي موضحة بأن نظرة القطة كانت حزينة، مكسورة فتعلق قلبها بها فورا و أخذتها إلى الطبيب الذي أخبرها أن القطة قد تموت إذ كان الجزء السفلي من جسدها يتعفن لكنها عالجتها، وسهرت عليها، ونجت فسمتها "جميلة"، لأن ملامحها في مرضها أعادتها إلى صورة أمها في أيامها الأخيرة.
وقالت صبرينة إن القطط تتعامل معها كأم، تحيط بها وتشعر بها وتقترب منها حين تمرض أو تحزن مما جعلها تكرس وقتها الكامل للعناية بالقطط، خاصة المريضة منها.
فتسهر وتعطي الأدوية في مواعيدها، تغير حفاظات القطط المعاقة باستمرار حتى لا تتعفن جلودها، تطعم القطط العمياء بيدها، وتراقب كل نفس.
وقالت إنها قسمت منزلها إلى قسمين قسم للقطط السليمة، وقسم للقطط المريضة، وهو المكان الذي تنام وتطبخ فيه لتكون قريبة منهم وعند الاشتباه بأي مرض، تعزل القطة في غرفتها لمتابعتها، بينما تخصص غرفة مغلقة للقطط المصابة بأمراض معدية.
أرفض إبر الرحمة لقططي
وتقول صبرينة إن أصعب الحالات التي مرت عليها، كانت إصابة إحدى القطط بمرض خطير، حيث تحول الألم إلى صراخ متواصل، موضحة بأنها كانت تبكي معه من شدة الوجع وأنها لم تستطع أن تفعل شيئا سوى البقاء إلى جانبه.
أما الحالة الثانية، فهي عندما فقدت في شهر نوفمبر الفارط، قطتين بعد إصابتهما بسرطان العظم والثدي، مؤكدة أن أكثر ما ألمها لم يكن الفقد فقط بل معاناتهما في أيامهما الأخيرة حيث كان الألم أقسى من القدرة على الاحتمال.
وقالت صبرينة، بأن أكثر مخاوفها أن تفقد إحدى قططها وهي نائمة، أو في لحظة تكون فيها بعيدة عن المنزل، مضيفة في ذات السياق بأنها ترفض رفضا تاما ما يعرف بإبر الرحمة معتبرة أنها شكل من أشكال القتل المتعمد.
متابعة بالقول، إذا كنا لا نقبلها على الإنسان فلا يمكن أن نقبلها على الحيوان، مشيرة إلى أن ضميرها لا يسمح لها باتخاذ قرار إنهاء حياة روح تتألم مهما اشتد الألم.
تكاليف العناية بالقطط مرتفعة جدا
وعن الجانب المادي أوضحت أن تكاليف العناية بالقطط مرتفعة جدا، حيث تتجاوز في كثير من الأحيان سبعة ملايين سنتيم خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاج والعمليات الجراحية التي قد تفوق مليوني سنتيم، إضافة إلى علاج الكسور، وعمليات التعقيم، ومصاريف الأدوية والمتابعة البيطرية المستمرة.
وقالت إنها تتعرض أحيانا لانتقادات و استهزاء بسبب تربيتها لـ80 قطا، إلا أنها أكدت أن هذا خيارها الحر والعالم الذي اختارت أن تعيش فيه، مضيفة أن أكثر ما وجدت فيه ذاتها كان عالم القطط.
كما أوضحت أنها وصلت إلى قناعة راسخة بأن الحياة بدون قطط ناقصة، معبرة عن خوفها من أن تستيقظ يوما ولا تجد قططها أو أن ترحل هي عن الحياة وتبقى قططها يدون عناية.
وفي حديثها عن تعامل المجتمع مع القطط المشردة والمريضة ترى صبرينة أن كثيرين ما زالوا ينظرون إلى الحيوانات ككائنات بلا مشاعر، مؤكدة أنها كائنات تحس وتتألم مثل الإنسان.
مشددة في ذات السياق على ضرورة تربية الأبناء على الرأفة بالحيوان، لأن الرحمة بحسبها لا تتجزأ. لينة دلول

أطلقت الحرفية مريم عوادي، المنحدرة من العاصمة، مشروعا حرفيا يجمع بين الطابعين التجاري والثقافي، حيث تصنع من مادة الريزين قطعا فنية وديكورات منزلية مستوحاة من التراث المحلي، إلى جانب توظيفها للحجارة والأصداف البحرية في الترويج للهوية الثقافية والسياحة الساحلية على حد سواء.
وحسب ما أوضحته المتحدثة للنصر، فإنها تمزج في عملها بين التقنيات العصرية والمواد المحلية للحصول على قطع تعكس خصوصية الموروث الجزائري وجمالية الطبيعة البحرية. مؤكدة بأن منتجاتها تلقى إقبالا كبيرا من الزبائن من مختلف ولايات الوطن
نقطة تحول حددتها الجائحة
وحسب ما أوضحته مريم، فقد ولدت علاقتها بالأعمال اليدوية منذ طفولتها، إذ اعتادت على تعلم حرفة جديدة داخل المنزل في كل صائفة وذلك بمشاركة شقيقاتها ووالدتها، فأحبت وأتقنت الخياطة، والحياكة أو الكروشيه، والرسم وغيرها من المهارات.
وقالت، بأنها لطالما أرادت الإبداع والتميز، حتى وإن كانت قد اختارت لاحقا مسارا أكاديميا بعيدا ظاهريا عن الحرف. موضحة بأنها أحبت الفن، مع ذلك حصلت على شهادة مهندس دولة في الإعلام الآلي، المجال الذي توظفت فيه.
وتابعت المتحدثة، بأن مسارها المهني كان مستقرا غير أن جائحة كورونا شكلت نقطة تحول مفصلية في حياتها، حيث توقفت عن العمل لتعيد التفكير في اختياراتها المهنية وتجد في عالم الحرف اليدوية ما يمنحها الاستقلالية والراحة النفسية التي كانت تبحث عنها.
وأكدت الحرفية، بأنها اتجهت في البداية نحو متابعة فيديوهات حول الديكورات المنزلية، لتقرر خوض تجربة صناعة الشموع، إلا أن التجربة لم تدم طويلا لأن ليس فيها ما يشجعها على الإبداع.
سرعان ما اكتشفت مريم عالم الريزين، ووجدت فيه مساحة أوسع للإبداع، وحرية أكبر لإضافة لمستها الخاصة على كل قطعة.وقد قالت إنها شعرت أن الريزين هو مجالها، لأنه عالم واسع ومتجدد لا نهاية فيه للتقنيات المختلفة. وكل قطعة جديدة يمكن أن تكون مختلفة عن الأخرى.
رحلة التعلم لم تكن سهلة
وأكدت الحرفية، أن رحلة التعلم لم تكن سهلة خاصة لأنها لم تلتحق بمراكز متخصصة في تعليم هذا الفن، ما دفعها إلى الاعتماد على التعلم الذاتي، من خلال منصة يوتيوب التي وفرت لها كما هائلا من الفيديوهات التعليمية، إضافة إلى إنستغرام. ورغم قصر مدة المحتوى، إلا أن الأفكار كانت مصدر إلهام متجدد.
كما استفادت من خبرة بعض التجار، خصوصا فيما يتعلق بتقنيات الوزن الصحيحة، نظرا لكون الريزين مادة خطيرة وسامة وتتطلب احتياطات خاصة حسبها.
وأكدت مريم، أنها لم تبدأ العمل إلا بعد إتقان طرق الاستخدام الآمن للمادة وكيفية تفادي مخاطره الصحية. وقالت بأن بداياتها كانت متواضعة، بقطع فنية قليلة غير أنها سرعان ما لاقت إعجاب كل من رآها، لتشهد أعمالها إقبالا متزايدا شجعها على الاستمرار والتطوير.
وأوضحت، أن تكوينها في هذا المجال لم يكن أكاديميا، بل ثمرة تعلم ذاتي، وأنها سيدة تعرف بصبرها وإتقانها للعمل وعدم تذمرها من طول ساعات النشاط، فضلا عن خلفيتها الحرفية منذ الصغر.
وأضافت الحرفية، أنها ركزت في البداية على صناعة بلاطوهات الخطوبة بالريزين، إلى جانب كؤوس مصنوعة من هذه المادة، معتمدة أحيانا على أفكار مبتكرة خاصة بها. واستلهمت في أحيان أخرى من منصات مثل بنترست وإنستغرام مواكبة للترند العالمي في هذا المجال.
ورود الريزين تحظى بإقبال كبير
وأضافت المتحدثة، أن إبداعها لم يتوقف عند هذا الحد، إذ توجهت كذلك إلى صناعة الورد بالريزين، وهو المنتوج الذي عرف إقبالا كبيرا من الزبائن إضافة إلى أدوات مدرسية مصنوعة من المادة مثل الكوس، وأنصاف الدوائر، والأقلام، التي تشهد طلبا متزايدا.
موضحة في ذات السياق، بأنها تندمج كليا مع القطعة أثناء إنجازها وتصنعها بمتعة وشغف ما ينعكس مباشرة على جودة العمل. مشيرة إلى أن العمل الحرفي فتح لها أبواب النجاح في مجال اختارته بإرادتها ومنحها استقلالية مهنية وشخصية أكبر.
كما أن دقة أعمالها جعلت العديد من مراكز التكوين المهني تتصل بها من أجل تقديم دورات تعليمية في فن الريزين.
وأضافت مريم، أن سر نجاح تحف الريزين يعتمد على التناسق في مزج المكونات، وأن يكون سطح العمل مستويا تماما وغير معرض للهواء والغبار، مع ضبط درجة حرارة الغرفة، إضافة إلى أن يكون العمل متقنا جيدا من جميع النواحي. فغياب هذه الشروط يجعل القطعة غير لامعة ومليئة بالشوائب حسبها.
أحرص على إعطاء لمسات تراثية في القطع التي أصنعها
وأكدت الحرفية، أنها تحرص على إعطاء لمسة تراثية محلية لعملها بهدف الترويج للهوية الجزائرية، كما تصمم قطعا خاصة بالمناسبات الوطنية والثورية. ولا تتردد في استخدام أشياء مثل الأصداف لتزيين قطع الريزين، وفي نفس الوقت التعريف بجمال الطبيعة المحلية.
موضحة، أنها فكرت في أن تعطي لمسة جزائرية لهذا النوع من الفن الرائج جدا في العالم ككل، وأن تخدم التراث و تروج له وتساهم في حمايته من خلال توظيف رموزه وبعض عناصره في عملها، خصوصا ما تعلق بالقطع التذكارية التي يختارها السياح، أو تقدم عادة كهدايا.
و تعتمد في حرفتها على المزج بين الريزين، والأصداف والقواقع التي تجمعها من شواطئ مختلفة، حتى تحمل كل قطعة جزءا من روح الوطن.
أما عن أبرز التحديات التي تواجهها، فتتمثل بحسب المتحدثة في قلة المواد الأولية وانقطاع بعض العلامات التجارية بشكل مفاجئ، ما يؤثر أحيانا على جودة العمل. ورغم ذلك، تؤكد أن نشاطها المكثف على مواقع التواصل الاجتماعي ساعدها كثيرا في الترويج لأعمالها، وتصل منتجاتها اليوم إلى مختلف ولايات الوطن. تؤمن مريم، بأن الحرفة التي تزاولها تؤكد أن الفن حين يمارس بصدق يتحول إلى هوية ورسالة وأسلوب حياة.
لينة دلول

تعرف سوق مستلزمات التخييم الشتوي بولاية قسنطينة، انتعاشا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، رافقه تنوع لافت ووفرة في مختلف المعدات الضرورية لممارسة هذا النشاط، إذ استطاعت المنتجات المتوفرة بمختلف المحلات أن تفرض حضورها بعدما انتشرت ثقافة التخييم بين مختلف الفئات الاجتماعية بما في ذلك العائلات، بعد أن كانت في وقت سابق حكرا على المغامرين و الرياضيين فقط.
ولا تزال العلامات المستوردة تتصدر مجال صناعة أجود معدات التخييم، مسهمة بشكل كبير في وفرة العرض وتعدد الخيارات، وهو ما وقفت عليه النصر، وأكده عدد من التجار، الذين أشاروا إلى أنها باتت أكثر وفرة وملاءمة من حيث الأسعار.
أضحى اقتناء معدات التخييم تقليدا شتويا لدى شريحة واسعة من شباب قسنطينة من الجنسين وعلى بعض العائلات، بعدما تحول التخييم من ممارسة نخبوية إلى نشاط مفتوح أمام الجميع، وهو ما خلف حركية واضحة داخل محلات بيع المستلزمات، وشجع التجار على توسيع مساحات العرض وتوفير تشكيلة واسعة من التجهيزات، على غرار معاطف التخييم، الخيام بمختلف أحجامها، الكراسي، العصي، حقائب الطعام، وغيرها من اللوازم الأساسية التي تعرض بأسعار متفاوتة تحددها الجودة والنوعية وبلد المنشأ.
زارت النصر، المدينة الجديدة علي منجلي، أين تنتشر عدة محلات متخصصة في بيع معدات التخييم، دخلنا بعضها ووقفنا على وفرة معتبرة في المنتجات التي تلبي احتياجات مختلف الأعمار وتناسب شتى الظروف المناخية. وحسب ما رصدناه، فإن أسعار الخيام الفردية تبدأ من 6900 دج وتصل إلى 24900 دج حسب السعة وعدد الأشخاص، في حين تتراوح أسعار الخيام العائلية المجهزة برواق وغرفتين، والمناسبة للتخييم الطويل المدى بين 20ألف و60ألف دج.
كما تبدأ أسعار الكراسي القابلة للطي من 3000 دج وتصل إلى 13900 دج، بينما تتراوح أسعار عصي التخييم بين 1200 و3000 دج حسب الطول ونوعية المادة وطريقة الحمل.
أما السجادات العازلة فتعرض بأسعار تتراوح بين 2200 و6900 دج، في حين تبدأ أسعار المعاطف الشتوية من 3900 دج وتصل إلى مليوني سنتيم، حسب درجة العزل الحراري ونوعية الاستعمال.
وتبدأ أسعار القاروارت الحافظة للحرارة من 1500 دج، والسراويل من 3000 إلى 7000 دج، فيما تتراوح أسعار الأحذية بين 3000 دج ومليوني سنتيم، بينما تبدأ أسعار المحافظ وحقائب الظهر من 2500 دج وترتفع حسب السعة والمواصفات.
ثقافة جديدة تجد طريقها في المجتمع
أكد أيمن، بائع معدات للتخييم بمحل لعلامة أجنبية، أن التجهيزات الشتوية تنقسم أساسا إلى شقين رئيسيين، الأول يخص الملابس والثاني يتعلق بالمعدات واللوازم المرافقة للتخييم. موضحا أن لكل شق خصوصياته ومتطلباته التي يوليها الزبائن اهتماما كبيرا خلال فصل الشتاء.
وفيما يخص جانب الملابس، أوضح المتحدث أن أغلب الزبائن يبحثون عن المصنوعة من مادة البولار، لما تتميز به من خفة في الوزن وقدرتها العالية على العزل الحراري. مشيرا إلى توفر هذا النوع من الملابس بصنفين منها ما هو بسحاب أو بدونه.
وأضاف، أن البولار يعد من أفضل الخيارات للتخييم الشتوي كونه مبطنا، يسمح بالحفاظ على حرارة الجسم دون التسبب في ثقل أو إعاقة الحركة، ولا يسمح بتسلل البرودة إلى الداخل.
وأضاف أيمن، أن المعاطف تحتل بدورها مكانة مهمة ضمن مستلزمات التخييم الشتوي، بما في ذلك المعاطف المبطنة الخفيفة التي يبلغ سمكها 10غرامات، ومعاطف التزلج على الثلج المخصصة لدرجات حرارة منخفضة جدا والتي توفر الدفء في درجات حرارة تقل عن 10 درجات تحت الصفر، كما يكثر الطلب على المعاطف المقاومة للماء التي تحمي من الأمطار والرطوبة.
أما فيما يتعلق بالأحذية فأوضح، أن الزبائن يركزون على اقتناء الأحذية العازلة للماء خاصة تلك المزودة بطبقة مزدوجة ودعامة تساعد على تثبيت القدم وحمايتها من الالتواء أثناء المشي في التضاريس الوعرة خصوصا خلال التخييم والتنقل في المناطق الجبلية.
طلب على المعدات الصديقة للبيئة
وفي شق المعدات، أشار المتحدث إلى أن من بين أكثر المستلزمات طلبا عصي التخييم والمشي، والحقائب المخصصة للتخييم إلى جانب القارورات الحافظة لدرجات الحرارة، وحقائب الظهر الخاصة بالمشي والتخييم والتي تختلف حسب نوع المغامرة ومدتها.
كما يقبل الزبائن على اقتناء الكراسي القابلة للطي، والأغطية والسجادات الصديقة للبيئة، فضلا عن الخيام التي يتم اختيارها وفق طبيعة المكان والظروف المناخية.

وأضاف البائع، أن الإقبال يشمل كذلك معدات الإضاءة، خاصة المصابيح التي تثبت على الرأس أو الجسم لما توفره من سهولة في الحركة أثناء الليل، إضافة إلى الطاولات القابلة للطي التي تباع مرفقة بكراسيها، وحقائب لانش بوكس التي تستعمل لحفظ الطعام أثناء الرحلات.
الولايات الشرقية تحظى باهتمام محبي التخييم
وأوضح المتحدث، أن الإقبال على معدات التخييم يكون مرتفعا خلال فصل الشتاء مقارنة بفصل الصيف، مبرزا أن الزبائن في هذا الفصل غالبا ما يكونون من هواة التخييم والمحترفين الذين يمتلكون خبرة ومعرفة مسبقة بمتطلبات التخييم الشتوي ويتنقلون بين عدة وجهات في الظروف المناخية الباردة.وأشار، إلى أنه عند استقبال مخيم مبتدئ بالمحل يتم تقديم جملة من النصائح والإرشادات المتعلقة بنوعية المعدات والملابس التي يجب اقتناؤها، ويتحكم في ذلك الوجهة التي سيقصدها المعني، والفصل الذي ينوي التخييم فيه، سواء من حيث العزل الحراري أو مقاومة الماء والسلامة.وأكد البائع، أن ثقافة التخييم الشتوي بدأت في الانتشار قبل جائحة كورونا بسنة تقريبا، حيث انطلقت في البداية بين مجموعات من الأصدقاء قبل أن تتوسع لاحقا بظهور جمعيات تتكفل بتنظيم هذه الرحلات، ما ساهم في الترويج لمختلف الوجهات الطبيعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشار المتحدث، إلى أن أكثر المناطق التي يقصدها القسنطينيون للتخييم خلال فصل الشتاء هي ولايات عنابة، قالمة، جيجل، وسكيكدة، نظرا لتنوعها الطبيعي ومناخها المناسب لهذا النوع من النشاط.
اهتمام بالتجهيز الجيد قبل خوض تجربة التخييم
من جهته، أوضح باديس صاحب محل «توب شوب» المتخصص في بيع معدات وملابس التخييم، أن ثقافة التخييم عرفت انتشارا خلال السنوات القليلة الأخيرة لاسيما في فصل الشتاء، مشيرا إلى أنه استقبل خلال الأسبوع الماضي فقط عدة مجموعات كانت تبحث عن ملابس مناسبة للتخييم بمنطقة تكجدة المعروفة ببرودتها وتساقط الثلوج بها.
وأكد المتحدث، أن الإقبال على ملابس التخييم الشتوية يكون كبيرا حيث تنفد الكميات المعروضة في المحل خلال أيام قليلة، ما يعكس تزايد الطلب وارتفاع وعي الزبائن بأهمية التجهيز الجيد قبل خوض تجربة التخييم في الأجواء الباردة.
وأوضح باديس، أن أكثر السلع التي يقبل الزبائن على اقتنائها تتمثل في المعاطف الشتوية والأحذية المخصصة للتخييم، خاصة تلك المزودة بنعال مانعة للانزلاق، لما توفره من أمان وثبات أثناء المشي على الثلوج أو الأراضي الزلقة.
أغلب السلع مستوردة من أمريكا
وفيما يخص مصدر السلع أشار، إلى أن أغلب معدات وملابس التخييم التي يوفرها المحل يتم استيرادها من أوروبا وأمريكا وكندا، نظرا لما تتمتع به من جودة عالية وملاءمة للظروف المناخية القاسية. مضيفا أن علامتي «كولومبيا، وبريميوم» تعدان من بين أفضل العلامات المعروفة في مجال معدات وملابس التخييم.
كما أفاد، بأن فئة الشباب من الجنسين تعد الأكثر إقبالا على اقتناء معدات التخييم، مؤكدا أن معظم الزبائن الذين يقصدون المحل يتمتعون بثقافة واسعة في المجال، وعلى دراية بمختلف متطلباته خاصة وأن أغلبهم محترفون ويمارسون هذه الهواية منذ سنوات.
مشيرا، إلى أن أسعار معدات التخييم الشتوية تعد مرتفعة نسبيا مقارنة بمعدات باقي الفصول، مرجعا ذلك إلى جودة المواد المستعملة وخصوصية التجهيزات التي تتطلبها ظروف التخييم في فصل الشتاء.
لينة دلول