الأربعاء 13 مايو 2026
Accueil Top Pub

مئة عام على صدورها: جريدة "الحق" أول جريدة بالعربية تطبع في بسكرة

 

مئة عام على صدورها

 جريدة "الحق" أول جريدة بالعربية تطبع في بسكرة

عمر ميموني-دكتوراه في تاريخ الجزائر المعاصر-

 

تعد جريدة "الحق" أولى الجرائد المكتوبة بالعربية التي صدرت في مدينة بسكرة بالجنوب الجزائري الرازح آنذاك تحت الاستعمار منذ سنة 1902، وذلك على يد الشيخ المدرّس علي موسى العقبي (1875- 1955)، وهذا ينبئ عن وجود وعي سياسي وثقافي يستشعر محنة المجتمع الجزائري والأمراض التي يعاني منها، كما يظهر نوعاً من الإحساس بالمسؤولية لإيجاد وسائل عملية جادة تجعله يتجاوز هذه المحنة السوداء التي سلطها عليه الاستعمار الفرنسي، تلك الوسائل التي اختلفت وتنوعت حسب الأشخاص والظروف كانت تسعى لمنع محو الهوية الوطنية والانتماء الحضاري.

 

مؤسس الجريدة

هو الشيخ المدرس علي موسى بن عمار العقبي، ولد  سنة 1875 في بلدة سيدي عقبة ببسكرة ونشأ وتعلم بها على يد شيوخها، ثم ارتحل إلى مدينة قسنطينة وتتلمذ على يد الإمام عبد الحميد بن باديس، عاد بعد ذلك إلى بسكرة ومارس التجارة لكسب قوته، كما كان يعطي دروساً في التفسير ليلاً في مسجد سيدي لخضر صغيري ودروساً في النحو، وقد عرف بنزعته الصوفية فصار من أتباع الطريقة العلاوية بمستغانم، رغم تأثره أول الأمر بالإصلاحيين إلا أنه انفصل عنهم بعد ذلك، وتعد هذه الجريدة هي أهم إنجازٍ ووحيد له في الميدان الثقافي حسبما يبدو، لينصرف بعدها إلى حياة الزهد والعبادة حتى وفاته سنة 1955،حيث دفن ببسكرة.

وصف الجريدة

صدر العدد الأول منها يوم الجمعة 10 شوال 1344 ه/ 23 أفريل 1926م، فكان اسمها الحق مكتوباً على هلال بشكل أفقي وفي وسطه عبارة (يعلو ولا يعلى عليه)، وكان شعارها هو (حب الوطن والاتحاد)، كما وصفت نفسها أنها: جريدة أسبوعية علمية سياسية وطنية انتقادية، لتصبح ابتداءً من العدد الثالث جريدة حرة أسبوعية مباحثها العلم والدين والتهذيب والأدب والسياسة، وسنرى أنها سعت لتحقيق هذه الغايات رغم قلة الإمكانيات المادية والبشرية التي كانت تطاردها، فكانت أسبوعيةً تبرز كل يوم جمعة من كل أسبوع ، وكان محل إدارتها في نهج روزيت بسكرة 18 الجزائر، وحجمها 32´50 سم، وتتألف من صفحتين.

كان ثمن النسخة من هذه الجريدة 15 سنتيماً ثم صار 20 سنتيماً ابتداءً من العدد الخامس، وكانت تطبع في المطبعة الصحراوية التي كانت مطبعتها الخاصة، و بدءاً من العدد 10 انتقل مديرها إلى مدينة قسنطينة؛ لعدم تحمله حرارة الصحراء وأغلق مطبعته إلى أول الخريف، كما احتجبت الجريدة لمدة أسبوعين مرة بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وفي المرة الثانية بسبب ترتيبات المدير لانتقاله إلى قسنطينة، حيث عقد اتفاقه مع مطبعة النجاح لطباعة الجريدة، فقد صدر العدد العاشر بتاريخ 23 جويلية 1926 بعد شهر من خروج العدد السابق، وكتب بخط النسخ الواضح، بينما كان خطها الذي طبعت به في المطبعة الصحراوية خط طباعي بسيط يخلو من وضع الهمزة على الألف ويرسم الفاء بنقطة تحتها، والقاف بنقطة واحدة، وتبدو من هذا الخط الصعوبات الفنية التي واجهتها الجريدة وهو ما كانت تشير إليه بين الفينة والأخرى، وقد أشارت في العدد 15 إلى عودتها إلى بلدتها بسكرة النخيل –كما وصفتها- بعد أن قاست كبير العناء من التعطيلات والعراقيل المطبعية، وفق ما جاء في العدد الذي كان آخر عدد لها، فلماذا توقفت الجريدة يا ترى؟

كتب القائم (عتالي) على المطبعة الصحراوية بياناً يخبر القراء فيه أن السيد علي موسى قد قبض الاشتراكات في بسكرة وسيدي عقبة ولم يمنح له أي شيء منها، رغم أن له في ذمته الكثير من الدراهم كواجب لطبع الجريدة (النجاح، ع 364، 05 نوفمبر 1926)، ولذلك كان على السيد علي موسى أن يوضح للمشتركين الدافع لتوقيفه الجريدة، حيث صرح إلى المشتركين وعددهم 233 أنه عطل إصدار الجريدة منذ شهرين ونصف "لعجزنا على إصدارها مالياً وأدبياً، وذلك لعدم إعانة مواطنينا الكرام إعانةً كافيةً تقيم الجريدة"، كما قام بعدة أسفار لجمع الاشتراكات في المدن والبلدات، وقد وصلت إلى 5325 فرنك، حيث يلزم لطباعة عدد من أعدادها الـ15 على الأقل 265 فرنك، إضافة إلى 400 فرنك لوازم للطباعة قبل إصدار الجريدة، ولذلك كثرت ديونه، بل إنه أشار خلال جولاته لجمع الاشتراكات يرى الناس ينظرون إليه نظرتهم لرجل شحاذ وطماع؛ لجهلهم بمهنة الصحافة وعدم إقبالهم عليها، ولذلك استشار بعضهم فنصحوه بترك المشروع والاشتغال برد الديون، وأما ما ذكره (عتالي) المطبعة الصحراوية فقد نفاه السيد علي موسى، وأن عليه له 275 فرنك فقط؛ بسبب زيادته في ثمن الطبع، ولذا كان كلامه هذا لتبرئة نفسه من تهمة أكل أموال المشتركين بالباطل، وقد أكد أن الحل لنفور الناس من الجرائد يكون بتعليم العلوم والمعارف بالعربية لكافة الطبقات مجاناً، ثم بعدها تصبح الجرائد من أدوات الإرشاد في المجتمع يسعى الفرد للحصول عليها لا أن يحمل عليها وهو كاره!(النجاح، ع 370، 19 نوفمبر 1926)، فلذلك نلاحظ أن عائق الطباعة وقلة الاشتراكات كانت سبباً في توقيف الجريدة بعد 15 عدداً فقط، وليس ثلاثون عدداً كما ذكر الأستاذ محمد ناصر رحمه الله (الصحف العربية الجزائرية، دار الغرب الإسلامي، ص 130)، حيث تراكمت الديون في ذمة صاحبها.

لقد تركت الجريدة صداها لدى القراء من داخل الجزائر وخارجها، حيث عبر السيد محمد الحلواني محرر جريدة النهضة التونسية عن سروره بصدورها، وأن برنامجها راق له، فأرسل ثلاثة مقالات لتنشر في الجريدة الوطنية حسب تعبيره، كما أمِل آخر اسمه عبد العزيز أن تشد هذه الجريدة من أزر أخواتها الشهاب والنجاح وصدى الصحراء، فالصحافة حياة للأمم ووسيلة لمحاربة الجهل والرذائل التي تفتك بالنفوس، فهي الزاجر والمقاوم لتلك الآفات، وقد تحدث بعد ذلك عن واقع الصحافة التونسية وكثرة عراقيلها بسبب قلة الاشتراكات أو من حجر الإدارة الفرنسية عليها.

قراءة في مـوضــوعـــات الجريدة

كانت الغاية الكبرى التي تنشدها هذه الجريدة هي بناء الشخصية العربية الإسلامية عند الإنسان الجزائري حسب رأي الباحث عبد القادر بومعزة (مسيرة نضال الصحافة العربية في بسكرة، 2024، ص 136)، حيث إن صاحب الجريدة والأقلام التي كانت تدبج صفحاتها بأفكارها يغلب عليها ذلك التوجه، وهذا الذي نلمسه في عددها الأول كتنبيهها للناس من أن يفيقوا من سباتهم وغفلتهم، فضرب لهم المثل بمصر التي شاعت فيها المدارس والصحف والمجلات وبلغت شأواً كبيراً، ولذلك على كل جزائري أن يبذل ما في طاقته لخدمة بني قومه واتباع كل خير والابتعاد عن كل شر، كما أبرز مكانة الصحافة في وعي المجتمع مبيناً أدوارها في حياته، طالباً من الأمة الجزائرية أن تأخذ بها كوسيلة للنهوض، فلذلك تحدث الشيخ علي موسى عن واقع الكتاتيب القرآنية في بلدة سيدي عقبة ومدينة بسكرة -التي أصيبت بداء الإهمال والإعراض عنها-كواحد من أبنائها، إذ لاحظ أن سوء التعليم هو السبب الأكبر في هذا الداء الذي أصاب الكتاتيب ( ع 02، 30 أفريل 1926)، وقد حثت الجريدة المجتمع الجزائري على التزام العلم والعمل وذلك بمساهمة كل أفراده بجمع الأموال لبناء المدارس والكتاتيب وأجرة المعلمين وما يحتاجه التلاميذ من كتب، وبهذه الطريقة يمكن للمجتمع تخطي عتبة الجهل التي أتت عليه، وأن على أغنياء المجتمع أن يبادروا إلى بذل أموالهم والتنافس في خدمة العلم وأهله (إلى العلم والعمل أيها الجزائريون، ع 04، 14 ماي 1926)، ولم تغفل الجريدة عن موضوع الشباب خاصة المتعلم منهم في المدارس العربية أو الفرنسية وموقفهم من تقاليد أمتهم، فكثير منهم لم يقم بوظيفته الأساسية وهي التعليم والإرشاد، بل نفَّروا الناس من حولهم بسبب غلظتهم وقسوتهم عليهم، فكان نداؤها لهم بأن يرجعوا إلى ما يصلح الأمة ويرضيها ويرفعها، وأن تسعى كل فئة منهم بسد إحدى الثغرات التي يحتاجها المجتمع كالأدب والاقتصاد والصنائع وغيرها.

وفي مقال بعنوان (حب الوطن من الإيمان) دعا الشيخ الإنسان الجزائري إلى تبيان صدقه لمحبته لوطنه، فتلك مما جبلت عليه النفس البشرية وأقره الدين والعقل، فيمكن أن يفدى النفس والمال إن لزم الأمر، ولأجل ذلك ينبغي على بنيه أن يحسنوا إليه وإلى إخوانهم خاصة بإنقاذهم من الجهل عن طريق العلم، محذراً إياهم من الاتصاف بالبخل بالنفس والمال فيكون ذلك ضرراً على الوطن وأحقر إساءة له وإهانة، وفي هذا المعنى يقول: "..عليك أيها الجزائري المسكين العاق لوطنك أن تتوب وترجع إلى طاعة الله ثم لطاعة وطنك، فجُد بنفسك ومالك وبالعمل الصالح والإخلاص وترك حظوظ النفس، فإن فعلت نلت الغنى الذي لا فقر بعده، وعزاً لا إهانة تعقبه، فتيقظوا إخواننا من سباتكم العميق وسكرة حب النفس والمال التي ما حلت بأمة أو فرد إلا ونال الذل والخسران، وأول العمل طلب العلم؛ لأنه هو الأصل وما بعده فروع عنه.."، فكلماته هذه هي من أصوات الصحوة التي بدأت الجزائر تستفيق عليها خلال العقود الأولى من القرن العشرين، فتجد فيها تأكيداً على العلم لكونه السبيل الآمن للخروج من ظلمات الانحطاط والذل، وبه يدرك الإنسان الجزائري لزوم القطيعة مع الاستعمار وثقافته التي كان يروج لها، بل نجد أن السيد محيي الدين دردور قد حث المجتمع الجزائري على تعلم مختلف العلوم، لا سيما علوم الطبيعة والحساب والرياضيات وغيرها، فبها تقوم نهضة المجتمع وتقدمه، ولذلك رأى أن التلميذ الذي لا يحسن اللغة العربية لا يعد نقصاً فيه، بل إن الفنون والعلوم كثيرة وهي صعبة المنال ولا يستطيع الإنسان الإحاطة بها، ولذا فلكل فرد دوره ومهمته (ع 11، 25 جويلية 1926).

دعت الجريدة ومؤسسها الشيخ علي موسى العقبي إلى غاية نبيلة هي الاتحاد بين أفراد المجتمع الجزائري (ع 07، 04 جوان 1926)، إذ بين بالعقل والشرع ضرورة الاتحاد بين أفراد الأمة الواحدة، كما ضرب المثل بالأمم الأخرى التي انتهجت سبيل الاتحاد فصارت أكثر رقياً في ماديتها وروحانيتها، حيث دعا بحرارة إلى الاتحاد في الجماعات كالفلاحين والتجار ولعلماء الدين والمصلحين وحتى لخدمة الفقراء، وأن على الأغنياء بذل شيء من أموالهم لأجل ذلك، وكذلك على الفقراء بذل ما في وسعهم حتى يكون الأفراد يداً واحدةً في خدمة وطنهم ودينهم، وعلى نفس المنحى سار محمد الصالح خبشاش الذي كان أحد أبرز كتاب الجريدة في دعوته للأغنياء لتأسيس الشركات أو جمعيات لشراء الحبوب وادخارها حتى وقت الحاجة إليها، ثم توزيعها على الفقراء والمحتاجين مع قليل من الربح؛ حتى ينجوا من وباء المجاعة والغلاء الفاحش لما يقتاته البشر، وما رأيه هذا إلا طريقة لتكاتف الأغنياء والفقراء لمواجهة المصائب التي تحل بالمجتمع، ولذلك لم يخف حسن ظنه وأمله في أولئك الأغنياء وأنهم أهل النجدة والمروءة ولهم إباء وغيرة على إخوانهم الفقراء.

رأت جريدة الحق أن المجتمع الجزائري عازف عن الصحافة قراءةً أو اشتراكاً أو مساهمةً؛ لتفشي الجهل فيه ولوجود نظرة قاصرة عنها ترى أن فائدتها تعود لأصحابها!، إذ كشف الشيخ علي موسى (ع 08، 11 جوان 1926)عن معاناته في تحصيل اشتراكات القراء بعد أن تصلهم، فقد كان جلهم يرد برفض الجريدة ويمتنع عن تسديد المستحقات، وذلك ليس عن بخل بل لعدم معرفة مكانة الصحافة في الأمم الواعية، لذلك تمنى على القراء معاضدتها بالاشتراك كي تكون لهم عظيمة المنافع والمزايا، ما يجعلها تكبر في حجمها بأن تضيف صفحةً بالفرنسية بغرض مخاطبة المسؤولين وإيصال صوت الأهالي ورغباتهم إليهم، كما لامس محمد الصالح خبشاش تلك الوضعية المزرية التي تعانيها الصحافة في الجزائر، إذ أنك لا تجد فيها صحافة إلا ما يأتيها من الخارج، وأنه لا توجد لها صحيفة يومية رغم أن سكانها المسلمون يتجاوزون ستة ملايين نسمة، بينما نجد المعمرين وهم أقلية لهم عدة جرائد يومية ومجلات، ونفس الشيء عند الشعوب الأوروبية التي أدركت أهمية الصحافة فراحت شعوبها تعتني بها مطالعةً وتجارةً، بل صار من سمات الإنسان الأوروبي مطالعة الأخبار كل صباح عند شرب القهوة (ع 15، 17 سبتمبر 1926)، ويبدو أن استنكار خبشاش من انعدام يومية في الجزائر كان في محله وله وجاهته، إلاّ أن الشيء الذي لا بد أن نومئ له تلك العراقيل الإدارية التي سلطت على الصحافة الوطنية والعربية خاصة، فقد تعرضت الكثير منها إلى التغريم والمصادرة، بلْه الصعوبات الفنية والمادية التي أصبحت ملازمةً لها، وقد اختلف الحال عند المعمرين الذين لقيت جرائدهم الترحيب والدعم من الإدارة الاستعمارية خاصة الموالية لها.

أخذت القضايا الدينية نصيبها من اهتمام ومتابعة الجريدة، إذ لا يخفى علينا أن غايتها الكبرى حث المجتمع الجزائري للرجوع إلى دينه والتعلق بأخلاقه وتعاليمه، فقد كان صاحب الجريدة قد أخذ التعليم الديني وتشربه فظهر على مواقفه وآرائه، ولا أدل على ذلك من نصحه الشديدلبني جنسه بضرورة الرجوع إلى دينهم وأخلاق أسلافهم الحميدة كما جاء في خطبة العدد الأول، كما وضعت في أغلب أعدادها بعض الأحاديث النبوية والحكم الدينية بقصد نشرها بين القراء والعمل بها، ولعل قضية تعليق سفر الجزائريين للحج خلال الربع الأول من القرن العشرين قد حركت مشاعرهم واشتياقهم لأداء هذه الفريضة الإسلامية، لذلك توجه السيد علي موسى إلى حكومة الجزائر العامة بنداء يطلب فيه منح السفر لمن يريد الحج بعد أن زالت الأعذار، وإن كان ثمة سبب فعليها أن تبلغهم إياه(ع 03، 07 ماي 1926)، بيد أنه يظهر أن تماطل الإدارة الفرنسية من منح رخص السفر للحج كان بقصد الضغط على المجتمع الجزائري وقطع صلاته بإخوانه في المشرق والعالم الإسلامي، إذ أنه قد جاء قرار التعليق منذ 1913 بعد أن ظهرت بوادر الحرب العالمية الأولى واستمر حتى سنة 1926، مما يعني تخوفها من أفكار النهضة العربية التي عرفها المشرق العربي أن تصل إلى أرض الجزائر ويكثر بين الأهالي معتنقوها والمتأثرون بها.

ولعل نداء الجريدة إلى رؤساء الطرق الصوفية باعتبارهم قادة المجتمع الجزائري الذين يأتمر بأمرهم، ما هو إلا تنبيه لهم كي يلتفتوا إلى عظائم الأمور كإصلاح المجتمع ونشر العلم والفضيلة ومحاربة الجهل والآفات المقيتة، فذكرهم بحال أسلافهم الذين أخلصوا في عبادتهم لربهم ونبذوا الدنيا والتعلق بمغرياتها، وأن هذا المجد الذي ينعمون بظلاله ما هو إلا ثمرة جهد أولئك الأسلاف، وأن عليهم أن يتشبهوا بهم، فأغلبهم قد انصرفوا عن خدمة مجتمعهم إلا فئة قليلة بقيت على عهد أسلافها، ولا ريب أن مثل هذه الصيحة القوية من الشيخ موسى وهو من منتمٍ للطريقة العلاوية لدليل على إحساسه العميق بالخطر المتربص بالمجتمع، فإن هذه الطريقة قد ثارت على بعض الممارسات الطرقية التي شاعت في المجتمع الجزائري وتوارثها الناس عبر عصور عديدة، إذ أنها جاءت فأفكار تجديدية داخل المؤسسة الطرقية بفضل مؤسسها الشيخ مصطفى بن أحمد العلاوي، فتلك الكلمة القوية من الشيخ علي موسى هي امتداد لما جاءت به العلاوية من أفكار تجديدية إن صح التعبير.

اتجهت الجريدة في مواضيعها نحو الشؤون السياسية خارج الجزائر كالمغرب الأقصى وتونس وحتى المشرق العربي والشؤون الدولية، حتى لا يظل الجزائري حبيس وطنه ومجتمعه وينعزل عن أمته وبقية العالم، فكان لأحداث الريف بالمغرب الاهتمام الكبير بها ومتابعة أحداثها، ويلاحظ المتتبع للصحافة الجزائرية خلال عقد العشرينات من القرن العشرين تركيزها على هذه القضية وتعاطف الجزائريين من إخوانهم في محنتهم، ونلاحظ أن هذه القضية هي من أكثر القضايا اهتماماً من الجريدة وأحداثها قد شملت أغلب أعدادها، فقد استبشرت بمحاورات الصلح بين الإسبان والريفيين بوساطة فرنسية حسبما نقلته عن جريدة الزهرة التونسية، خاصة بعد أن أبدى الطرفان استعدادهما لذلك وشروعهما في تلك المذاكرات التمهيدية للصلح، وهذا كما جاء عن الصحف التي تابعت تلك الجلسات.

وقع بعد ذلك مؤتمر وجدة بين الطرفين، فتسلم الريفيون لائحة باللغتين الفرنسية والعربية من ثلاثة فصول، تتضمن شروط الصلح والمعاهدات المختلفة ونصوص الصلح مع مجريات جلسات الصلح، غير أن وفد الريفيين حينما أوصلها إلى زعيم الريف محمد بن عبد الكريم قدم مطالب أخرى مضادةً لها، وذلك إيذان بقطع جلسات الصلح، وعلى ذلك جاء عنوان الجريدة (الحرب الريفية) واستعد الريفيون بإقامة التحصينات العسكرية والاستعداد للزحف من شمال تازة حتى نهر ورغة بهدف احتلال قبيلة بني زروال التي ينتمي لها ابن عبد الكريم، وبذلك يمكنه استرجاع الجزء الذي أخذه الفرنسيون من تراب قبيلته ويسد عليهم الطريق نحوها، وفي خبر آخر نقلته صحيفة الاتحاد المصرية سعي كل من فرنسا وإسبانيا لبسط نفوذهما على منطقة الريف بعد استسلام ابن عبد الكريم، وأنهما يسعيان لعقد مؤتمر لذلك في الجزيرة الخضراء، وهذا ما نفته الحكومة الفرنسية، ولذا فقد كانت تلك المناطق محل نزاع بينهما وضمها لأي طرف، وحتى سلطان مراكش الذي هو في حماية الفرنسيين سعى لضمها إليه.

كانت مسألة الخلافة الإسلامية قد شغلت الرأي العام الإسلامي بعيد إعلان سقوطها سنة 1924، فكان المسلمون قد تأثروا بهذا الحدث وعاد للأذهان الحديث عن وحدة الأمة الإسلامية وإيجاد قيادة موحدة تجمع شتاتها، فحث الشيخ علي موسى نخبة المجتمع الجزائري أن يلبوا دعوة المجلس المصري الخاص بالخلافة لعقد مؤتمر إسلامي حتى يدلوا برأيهم فيها كشأن بقية المسلمين، وللإشارة فقد تناقلت الصحف العربية في الجزائر هذا النبأ ودعت لتلبية دعوته،ونقل المراسل (فتى العرب) تأييد أمراء الهند لتأسيس عصبة إسلامية ودعم هذه الفكرة بالأموال لتجسيدها، ثم تجمع مختلف طوائف الشعوب الشرقية، كما عقد مؤتمران أحدهما في مكة والآخر في القاهرة، فركز الأول على تقرير مصير الحجاز، واهتم الثاني بمسألة الخلافة ومصيرها، وجاء مؤتمر الخلافة الذي حضره 25 مندوباً من كافة الأقطار الإسلامية برئاسة شيخ الأزهر وتباحثوا حول الموضوع من الوجهة الدينية والسياسية.

وفي سياق آخر، تابعت الجريدة أخبار المشرق العربي وبقية الأقطار الإسلامية؛ كدافع واستشعار بالانتماء الحضاري الإسلامي، وتأكيد على رفض الأطروحة الاستعمارية بالانتماء الغربي المسيحي للجزائر، فلذلك ركزت الجريدة على ما يتعلق بالقضايا الإسلامية بوجهٍ خاص كأوضاع بلاد الشام ومصر واليمن والحجاز في الشق السياسي أو الثقافي، كما تابعت الشأن التركي باعتبارها دولة عرفت تغييرات جذرية في نظامها السياسي، وما قام به مصطفى كمال سياسياً وثقافياً، كما نقلت رأي أحد الكتاب الأتراك السيد آغا أوغلي أحمد بك الذي رأى أن الوحدة التركية لا بد لها من أمرين وحدة اللسان، ووحدة الدين، وكلاهما تشتمل عليه الأمة التركية وينبغي التركيز عليهما للنهوض بها (ع 07، 04 جوان 1926)، كما عُنيت بقضية الخلافة الإسلامية ونشاطات الوفود الإسلامية حولها خاصة في بلاد الحجاز، كما نجد متابعات لأحوال المسلمين في روسيا ومعاناتهم في سبيل ممارسة شعائرهم الدينية.

لم تغفل الجريدة عن الأخبار الدولية خاصة في أوروبا وأمريكا، حيث كتب محمد الصالح خبشاش مقالاً حول (أمريكا تعتمد على القوة)يصف فيه تصاعد الدور الأمريكي على مستوى العلاقات الدولية، وانتقاده لسياساتها البراغماتية القائمة على جمع الأموال واستغلال الضعفاء، وهذا ينبئ على أن الكاتب متابع لما يجري على المستوى الدولي ومدرك لمقاصد سياسات الدول الكبرى، وكانت تنقل بين حين وآخر بعض الأخبار السياسية من مختلف دول العالم الأخرى كاستقالات الوزارات والبرقيات بين الرؤساء والملوك.

وهناك جانب خاص يتعلق بالفرد الجزائري نجده في كامل أعداد الجريدة، ألا وهو أسعار بعض المواد المعاشية كالقمح والشعير وتمور دڤلة نور والغرس في سوق مدينة بسكرة، بقصد إعلام القراء، وهذا يرجع إلى اشتغال صاحب الجريدة بالتجارة، وقد لاحظنا أن تلك الأسعار قد عرفت استقراراً نسبياً خلال تلك الفترة، ما يدل على وفرة في المنتجات الزراعية المختلفة. وعليه نجد أن جريدة الحق البسكرية قد سعت جاهدةً من أجل إيقاظ المجتمع الجزائري من سباته وتذكيره بقيم دينه وأمته، وأكدت على أن العلم هو سبيل الخلاص من حالة الذل والهوان التي رانت على نفسية الإنسان الجزائري، ولم تخفِ اعتزازها بالانتماء الإسلامي للجزائر ودعت مسلمي الجزائر إلى تمثل دينهم في حياتهم وفكرهم وسلوكهم بصدق وإخلاص.

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com