
سلط أساتذة جامعيون وباحثون ومفكرون أمس الضوء على جوانب مختلفة و خفية من فكر القديس أوغسطين، في أبعادها الروحية والفلسفية، والاجتماعية والأخلاقية، باعتباره تجليا جزائريا، إفريقيا ومتوسطيا، ابن هذه الأرض ونبتتها التي ربطت بين ضفتي المتوسط.
احتضن المركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال، أمس الطبعة الأولى لـ«اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر» والتي اختارت لطبعتها الأولى موضوع« أوغسطين.. تجل جزائري، إفريقي ومتوسطي» تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وإشراف وزيرة الثقافة و الفنون مليكة بن دودة.
و قالت رئيسة «اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر» البروفيسور نعيمة حاج عبد الرحمان، أن اللقاءات ترسم لنفسها مقاصد جليلة يقع في صدارتها، ترسيم الجزائر فضاء لاحتضان اللقاءات الفكرية العالمية، و الإسهام في تحقيق تصالح الجزائر مع تراثها الفكري والفلسفي والثقافي، و تعزيز الوعي بالهوية الوطنية، و تقريب الفكر إلى الفضاء العام تسهيلا وتيسيرا، وكذا خلق تقاليد فلسفية واستحداث أرضية للتفكير معا، وتقوية التعاون الأكاديمي والثقافي، وبناء شبكات شراكة بين المؤسسات البحثية والفكرية الإفريقية والمتوسطية، وترسيخ قيم التعايش والسلم عبر نشر ثقافة الحوار والانفتاح على المختلف.
وقالت إنه تم اختيار موضوع «أوغسطين» للطبعة الأولى، جاء لأنه ابن الأرض ورمز الانطلاق، هذه النبتة الجزائرية الإفريقية المتوسطية.
مشيرة إلى أن الباحثين سيستعملون المناهج المختلفة لفهم وتأويل ما هو خفي في ما خلفه أوغسطين من إرث فكري، موضحة أن الطبعة الأولى ستتناول «التراث الأوغسطيني» في ستة محاور توزعت على خمس جلسات، الأولى تحت عنوان «أوغسطين الإنسان والفيلسوف والروحي»، الجلسة الثانية، «أوغسطين والانتماء الثلاثي جزائري وإفريقي ومتوسطي»، الجلسة الثالثة تحت عنوان «تأثير فكر أوغسطين في الفضاء الإفريقي والمتوسطي»، الجلسة الرابعة «أثر فكر أوغسطين على الصحة الحضارية ودور فكره في معالجة أزمات الإنسان الجديدة» ، و «فكر أوغسطين والاتصال الثقافي» هو عنوان آخر جلسة.
فضلا عن هذه الجلسات العلمية فتح الملتقى- تضيف- جدالات ثقافية تحت تسمية «الاستئناسات الفلسفية» وهي طريقة «تمسرح الفلسفة» في فسحة فكرية وفنية وجمالية تختلف عن الطابع الكلاسيكي المعتاد للمقاربات الفلسفية، وهي تظاهرة موجهة للمفكرين وجميع شرائح المجتمع.
بعد هذه الكلمة قدمت نبذة عن «المسارات الأوغسطينية» في الجزائر، وهو الملف المودع لدى اليونيسكو لتصنيفه ضمن قائمة التراث العالمي.
في كلمة الافتتاح أكدت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة أنه لمن دواعي الفخر أن تجمع الجزائر أعلاما ومفكرين لمناقشة فكر القديس أوغسطين في الطبعة الأولى، قصد تفسير مراميه ومعانيه العابرة للزمن واستلهام القيم الإنسانية، حيث ظلت الجزائر حلقة رابطة بين ضفتي المتوسط، و«المسارات الأوغسطينية» خير دليل على ذلك، و أضافت أن الاعتزاز الجزائري بهذا الانتماء الإفريقي المتوسطي يتجلى بخاصة من خلال وقوفها الدائم إلى جانب الأصدقاء والأشقاء في ضفتي المتوسط متى تطلب الأمر ذلك.كما أبرزت بن دودة أن القديس أوغسطين كان «حامل رسالة سلام ومحبة» منطلقا من أرض أجداده الجزائر الإفريقية المتوسطية وقد تقبل أتباعه تلك الرسالة واحتفوا بها لقرون طويلة ومازال جوهر التسامح الذي يتصف به الإنسان الإفريقي على وجه الخصوص ماثلا في التعاملات والعلاقات.
وواصلت الوزيرة تقول مبرزة خصال و مسار أوغسطين» إننا اليوم نعد القديس أوغسطين حلقة مهمة في تراثنا العريق في شقه المرتبط بالعلوم وبالفلسفة وبالأخلاق، كما نعد جامعته الأولى مادور حلقة مهمة أيضا في تراث الإنسان الجزائري».
لتجدد التأكيد بعدها على أن الجزائر إذ تثبت أقدامها في التاريخ راعية لخطاب المحبة ومؤسسة «مرجعية للحقوق والمبادئ» التي تسمو بالإنسان، لا تكف عن الوفاء لهذا المسار منذ القديس أوغسطين وقبله وإلى غاية الأمير عبد القادر وبعده، فلا تقايض بمصلحة ولا تنتظر مقابلا وليس في أدبياتها أبدا إلا الانتصار لقضايا الإنسانية العادلة.
وأضافت أن الجزائر التي استمر فيها مفهوم الدولة لقرون لم تكن يوما خارج التاريخ بل هي في العالم كانت دائما ملجأ الشرفاء ومنبع الاصطلاء، وإذا كان لابد أن نقيم محافل لفكر التسامح وعنوان لنداء السلام، تشدد الوزيرة- فإن «الجزائر أرض القديسين والعلماء الصالحين والمجاهدين والمنافحين في المحبة وبها أولى أن تكون كذلك».
وختمت بن دودة كلمتها بالتأكيد على أن الجزائر حققت بفضل أبنائها التوازن الذي يضمن مسيرة أرقي، واليوم أصبح الرهان واسعا على المواطنين كل من موقعه لدفع عجلة التطور والتنمية في شتى المجالات بما فيها العلم والفكر.
ونشير أن افتتاح اللقاءات أمس حضره عدد من المسؤولين منهم رئيسة المحكمة الدستورية ليلى عسلاوي، وزيرة الثقافة التونسية، كضيف شرف، رئيسة جمعية الصداقة الجزائرية الفرنسية سيغولان روايال، رئيسة معهد العالم العربي بباريس، وأساتذة وباحثون وإطارات من الجزائر و من دول عدة، وممثلي السلك الدبلوماسي.
وقد شهد الملتقى عددا من المداخلات تناولت بالتحليل مختلف الجوانب التي ميزت القديس أوغسطين في فكره وفلسفته وأخلاقه، و فضائل الحوار و التسامح والتعايش التي كرسها، على غرار مداخلة الأستاذ، محمد شوقي الزين التي جاءت تحت عنوان«أوغسطين المخضرم والبرزخ بين عالمين» والتي وصف فيها القديس بالعلامة الفارقة في تاريخ البشرية، وشخصية جمعت في ذاتها وبين ثناياها مختلف المشارب والمذاهب والمواهب، ومختلف التناقضات والمفارقات، وتطرق المحاضر لمختلف أوجه أعمال وأثار القديس بمختلف
أشكالها. إلياس -ب