
غادر أكثـر من مئة كاتب "دارهم" القديمة، لأنّ أحدهم جاء ليفسد الجلسة!
سلوك كهذا كان يحدث قبل انتشار الأمصال وحملات التلقيح من الأمراض المُعدية في أزمنةٍ قديمةٍ، حيث كان قدوم أجربٍ إلى جلسة، على سبيل المثال، مصدر خطرٍ يتسبّب في تفريقها.
مُلخّص القصّة: اشترى الملياردير اليميني الفرنسي المتطرّف فانسون بولوري الكاتب الخارج من جزائريته بمليون دولار واستعجل نشر كتابه الهجائي، واستدعى الأمر التضحيّة بمدير دار غراسي التي استحوذ عليها ضمن ما استحوذ عليه من مؤسسات نشر وإعلام، واعتبر الكُتّاب طرد أوليفي نورا بسبب كتاب بلا قيمة أدبية مُقدمة انحرافٍ في سياسة دار النشر، التي تدخل بنشر "أسطورة" صنصال عهد الدعاية السيّاسيّة التي تُمارسها على نطاقٍ واسعٍ مؤسّسات بولوري الإعلاميّة المتجردة من المهنيّة والتي لا تخفي عنصريّتها، وهكذا غادر الكُتّاب الدار مع مديرها المطرود في واقعةٍ لم تشهدها السّاحة الثقافيّة الفرنسيّة عبر التاريخ.
والسؤال المطروح: كيف يكون شعورك حين يُغادر النّاس مكانًا دخلته؟
ثمّة عمليّة بيع وشراء أتت على صورة الكاتب المُناضل من أجل الحريّة في فرنسا بالذات، فأصبح خائنا لدار غاليمار التي رعته ودافعت عنه، في نظر كثير من المثقفين وفي نظر وسائل إعلام، مقابل مليون بولوري الملياردير العنصري المفترس، بمعنى أنّ الكاتب الذي يقدّم نفسه كرمز للحريّة، قابلٌ للشراء في سوق الملايين، وتلك رياضة يتألّق فيها، قطعًا، من تربى في "شارع داروين"!
ولعل ذلك ما يفسّر المقالات التي استهدفت "صنصال الخائن" في صحفٍ فرنسيّة هامة، فهل انتهت الأسطورة أم بدأت؟ و هل اتضح للجميع صدق ما يُقال عن الخيّانة: من يفعلُها مرّة يفعلها كثيرًا.
من هنا، من جنوب المتوسّط، يبدو المشهد واضحًا، صنصال لم يكن يومًا من المناضلين من أجل أيّ شيء خارج مصالحه الشخصيّة، بخلاف عشرات الكتّاب والمثقفين الجزائريين الذين عملوا منذ سنوات الاستقلال الأولى على ترسيخ قيّم الحريّة في محيطٍ اجتماعي وسيّاسي يتعامل معهم بريبةٍ، بل وبقسوة في كثيرٍ من الأحيان.
والمؤكد أنّ مبادئ الحريّة كلٌّ لا يتجزأ، فلا يمكن أن تكون حرًّا في موقعٍ وعبدًا في موقعٍ آخر، مثلما لا يستقيم أن تهاجم بلدك بعنوان الديمقراطية و الحرية و تتبنى في نفس الوقت أدبيات تيّارٍ فاشي في الغرب أو تنخرط في أجندات مشيخة مستبدّة في المشرق.
سليم بوفنداسة