
هل يكتسبُ الكتابُ الأدبيّ قيمته من محتواه، أم مما يُثار حوله؟
ربما استدعت الإجابة البحث في فلسفة القيمة والاستنجاد بعلوم التسويق، بالنظر لارتباط الإشكالية بتعقيدات فعلي القراءة والكتابة و شخص الكاتب، وبالمجتمع الذي يتلقى الكتاب ويستهلكه، إنْ كان الكتابُ بين "المأكولات" المُشتهاة في هذا المجتمع.
لكنّ الملاحظة التي تجود بها المُعاينات البسيطة وأرقام حركة النّشر، هي أنّنا لا نتناول الكُتب الأدبيّة فيما نتناول، وأنّ شهرة بعض الكتّاب تعود إلى ما يقولون وليس إلى ما يكتبون!
و يمكن تفكيكُ العلاقة المُلتبسة بين الكتّاب والمجتمع انطلاقًا من ذلك، فالكاتبُ المعروف، معروفٌ لدى عموم النّاس بمواقفه السيّاسيّة أو بتصريحاته الصحفيّة أو بمنشوراته على مواقع التّواصل وليس بمضامين كتبه، ويلتقي في ذلك الكاتبُ الجيّدُ صاحب الرّصيد وكاتب المحاولات.
لذلك يسرفُ بعض الكُتّاب في الكلام للبقاء في المشهد العام، ما دامت الكتابة الرّصينة لا توفّر تلك الحظوة، وقد يلجأون إلى الاستفزاز والإثارة التي تضمن التّفاعل.
إنّنا أمام إشكالية أطرافها مجتمعٌ لا يقرأ وكتّابٌ غرباء تجد بينهم من يسعى للبقاء حتى وإن اقتضى الأمر القيّام بأدوار ليست أدواره وتحمّل إهانات جرّاء ذلك. فوظيفة الكاتب هي أن يكتب كتابًا جيّدًا ويسكت، ليأتي دور النّاشر والنّقد و الإعلام والمجتمع الحاضن الذي يفترض أن يحتفي بعبقريته عبر تقدير رموزه وإبرازها.
ولأنّ هذه السّلسلة تعاني من اختلال نتيجة ظروف تاريخيّة جعلت المجتمع يرتّب أولوياته على النّحو الذي هي عليه، فإن "الغرباء" الذين يمارسون حرفة الكتابة يضطرّون إلى لفتِ الانتباه في "ماركيتينغ" مُحزن، وقد يبلغ الأمر ببعضهم في هذا المسعى حدّ الخروج من الدار ورمي النوافذ بالحجارة، خصوصًا أولئك الذين يجدون حواضن جديدة، قد لا تحضنهم بالمجّان، فتقايضهم ما يريدون بما تريدُ.
فيما يلوذ كتّابٌ يجيدون قراءة الواقع ويرفضون مجاراته إلى الصّمت ويكتفون بإبداعٍ لا ينال حقّه من الاهتمام.
نخسرُ في الحالتين مصدر جمالٍ وقوّة، ما يتطلّب مُراجعات تترجم في سيّاسات لحماية الكتاب وكاتبه، في تقديرٍ هو في نهاية المطاف تقدير للذات وعبقريتها، يمنحها الحصانة في ساحة الحروب الرمزيّة التي اجتاحت كلّ الحقول.
سليم بوفنداسة