
يعيشُ الكاتبُ في كلماته. قد تحملُ الكاتبَ كلماتُه وقد تُحيله إلى مقابر النسيان حيث لا أثر لكلماتٍ قابلة للحياة بعد صاحبها.
لذلك يستمرُّ من يستمرّ سفيرًا لنفسه من جيلٍ إلى جيلٍ، يهتدي إليه المُهتدون من دون حاجةٍ إلى مُرشد أو تاجرٍ بائسٍ يروّج لنفسه إذ يُحاولُ استدعاء الغائب جسدًا ليُريه للنّاس بمقاصد مُضمرة، تُحيل في الغالب إلى دوافع هستيرية ( الظهور من خلال المُستدعى).
يحدثُ هذا، عادةً، في "حفلات" الاحتفاء بالرّاحلين القدامى منهم والجُدد، حيثُ ينفردُ الشّاهد بالبطولة وهو يقدّم سرديّته عن كاتبٍ يفترض أنّه قدّم سرديّته للعالم وأعفى اللّاحقين من مشقّة التأويل، مادامت كلماتُه تحمله، وقد استمرّ من خلالها وقد صارت الميراث والوصيّة.
لكنّ الفراشات التي تحوم حول النّار لا تستوعب الميثاق السّري والصّامت بين كاتبٍ وقرّائه، في حركاتٍ تبدو عصيّة على الفهم، وقد نبّهنا الشّائعُ والمعلومُ إلى اختلاف أبناء الكتابة عن نجوم الكرة والغناء التي تستأثر بجلب الفراشات والكائنات الفيتيشيّة التي تحتفظ بدليلٍ لإقناع اللاحقين بأنّها رأت أو لمست صاحب النّار.
القراءة هي الفعل المشروع الذي يربط الكاتب بالمتلقي وليس الكلام. فعل لا يحتاجُ إلى ماركيتينغ أو وسطاء مهما كانت نزاهة الوسيط أو قدرته على نكران الذّات في مُمارسة تقوم على هذه الفضيلة المفقودة في زماننا.
من هنا تكون أحسن طريقة للاحتفاء بالكتّاب الغائبين هي إتاحة نصوصهم للقرّاء وليس نشر أسرارهم الخاصّة وصوّرهم التي التقطت في لقاءات حميمة أو إلقاء "شهادات" لا ضرورة لها ولا سبيل إلى تأكيد صحّتها!
لا يدل على الكاتب سوى نصّه. ولا ترثه سوى كلماته، ولا يستطيع أيّ كان تأميمه تحت عنوان الحب أو التخصّص أو الترجمة. ولا يستطيع أحدٌ سرقة نار الكاتب الخاصّة مهما حام ومهما لفت الأنظار في رقصه حولها.
سليم بوفنداسة