تواجه لعبة «روبلوكس « الشهيرة، موجة انتقادات واتهامات متصاعدة منذ عدة أيام، وصلت حد وصفها بالتهديد المباشر لحياة الأطفال وسلامتهم النفسية والسلوكية، وذلك بعدما أصبحت من أكثر الألعاب إقبالا في العالم من طرف الصغار والمراهقين، و هو ما أدى إلى حظرها في عدد من الدول، وسط تحذيرات متزايدة من خطورتها بسبب ممارسات مشبوهة تتعلق بالتحرش، وغسيل الدماغ، وحديث عن طقوس استحضار و غير ذلك.
إحصاءات مقلقة
تعد «روبلوكس» منصة مفتوحة تسمح للاعبين بإنشاء عوالم افتراضية ومشاركة تجاربهم التفاعلية، غير أن غياب الرقابة الصارمة جعلها فضاء مليئا بالمخاطر، خصوصا على الأطفال دون السن القانونية، إذ يجد هؤلاء أنفسهم عرضة للتواصل مع غرباء وبالغين من أعمار مختلفة، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات استغلالية و استدراج خطير .
وتشير الإحصائيات المسجلة في 2025 إلى أن عدد مستخدمي اللعبة النشطين بلغ حوالي 111 مليون مستخدم نشط يوميا، وذلك وفق بيانات قاعدة «ستاتيستا الإحصائية، التي بينت أن غالبية هؤلاء المستخدمين تتمثل في فئة الأطفال دون سن 13 عشر. ومن بين المخاطر التي تحملها اللعبة، التواصل مع الغرباء حيث تمكن المنصة الترفيهية الأطفال من الدردشة مع بالغين بسهولة، وتبادل بيانات شخصية مثل حسابات «سناب شات»، رغم وجود أنظمة فلترة محدودة. ومن بين أخطر الجوانب المرتبطة بـ «روبلوكس» كذلك، ظهور أصوات وعبارات ذات طابع جنسي خلال المحادثات الصوتية، ما يعرض الصغار لمحتوى صادم.يذكر كذلك بأنه ورغم تحديثات الشركة لمنع المراسلة المباشرة لمن هم دون 13 سنة، إلا أن أدوات الرقابة ليست فعالة بالقدر الكافي، وغالبا ما يتم التحايل عليها بسهولة، ومن المخاطر الأخرى الشائعة أيضا والتي تم التحذير منها مؤخرا، عن طريق حملة عالمية أطلقها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، خطر الإدمان والانفصال عن الواقع، وقد أبدى أولياء أمور شاركوا في الحملة التوعوية، قلقا بالغا من إدمان أبنائهم للعبة لساعات طويلة يوميا، مما قد يؤثر على نموهم النفسي والاجتماعي، ويعزلهم عن الواقع.وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، فقد اعترفت شركة «روبلوكس» بوجود ما سمته «جهات سيئة على الإنترنت»، لكنها شددت على أن هذه المشكلة «تتجاوز منصة روبلوكس وحدها»، مؤكدة أن الحل يتطلب تعاونا مشتركا بين الحكومات والشركات الرقمية من أجل تعزيز أنظمة الحماية، ووضع إجراءات أكثر صرامة لضمان سلامة المستخدمين، خاصة الأطفال.
* الأخصائي النفساني العيادي بدر الدين شكاي
هذه أهم علامات الإدمان عند الأطفال
من جهته، أكد الأخصائي النفساني العيادي، بدر الدين شكاي، أن استعمال الشاشات الذكية من طرف الأطفال والمراهقين، بغض النظر عن طبيعة المحتوى المعروض فيها، يدخل في خانة الإدمانات الحديثة. فالإدمان الذي كان يختزل سابقا في المخدرات الصلبة أو المواد الكحولية تطور بحسبه اليوم مع الطفرة التكنولوجية، ليأخذ شكلا جديدا يعرف بـ الإدمان الإلكتروني.
وأوضح شكاي، أن هذا الإدمان لا يتوقف عند مجرد التعلق بالجهاز، بل يتعداه إلى إدمان المحتوى الذي توفره الشاشات، مثل مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الافتراضية، حيث يقضي الطفل ساعات طويلة داخل عالم افتراضي بعيد تماما عن واقعه الاجتماعي والعائلي.
ومع مرور وقت قصير فقط، تتطور هذه الممارسات لتأخذ شكل تبعية كاملة، تتوافر فيها جميع خصائص الإدمان النفسي والسلوكي.
وأشار الأخصائي، إلى أن من أبرز علامات إدمان الألعاب الافتراضية قضاء الأطفال فترات طويلة جدا أمامها، قد تتجاوز ثلاث ساعات يوميا بشكل متواصل، إلى درجة تعيقهم عن تلبية حاجاتهم البيولوجية الأساسية كالأكل، النوم، وحتى العناية بالنظافة الشخصية، ومع تفاقم الوضع يصبح الطفل في حالة تبعية قصوى للعبة، ويفقد السيطرة على تسيير وقته.
انعكاسات سلوكية ومعرفية
وبين شكاي، أن الانغماس المفرط في الألعاب الإلكترونية ينعكس سلبا على عدة مستويات، من بينها المستوى المعرفي والفكري حيث يضعف التركيز، ويتراجع التحصيل الدراسي، مع انشغال الذهن بالمحتوى الافتراضي أكثر من الواقع. وعلى المستوى السلوكي والانفعالي تبدأ نوبات من العصبية في ظهور عند الطفل، زيادة على ذلك يصبح أكثر ميلا إلى العزلة أو تبني سلوكيات عدوانية تجاه العائلة أو الأقران.كما تصيب الأطفال المدمنين على الألعاب الإلكترونية و المحتوى الرقمي عموما، اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب الناجمين عن فقدان التوازن بين الواقع والعالم الافتراضي.وأضاف الأخصائي، أن الأطفال عندما ينسحبون من محيطهم الاجتماعي، فإنهم يعوضون احتياجاتهم العاطفية والنفسية داخل فضاء اللعبة، ما يجعلهم أكثر عرضة لتبني سلوكيات غير صحية.
كما حذر من أن التواصل مع الغرباء داخل هذه المنصات يشكل خطرا كبيرا، لأن اللعبة تضم فئات عمرية واجتماعية مختلفة، قد يكون من بينها بالغون يعانون من اضطرابات خطيرة مثل البيدوفيليا والانحرافات السلوكية، وهؤلاء يستغلون الأطفال على مستويات متعددة، سواء عبر الاستدراج النفسي أو الجنسي، أو حتى عبر استغلالهم ماديا.
الطفل فريسة سهلة
وشدد شكاي، على أن السبب في سهولة استغلال الأطفال هو عدم اكتمال نموهم العقلي والمعرفي والشخصي، ما يجعلهم فريسة سهلة أمام محاولات التأثير والاستغلال.
وأوضح، أن غياب النضج يجعل الطفل غير قادر على التمييز بين السلوك السليم والخطير، فينخدع بسهولة بالمحتوى الموجه أو بالغرباء الذين يستغلون ثغراته النفسية.
ويرى الأخصائي، أن الدور الذي يجب أن يلعبه الأولياء لحماية أبنائهم من المخاطر الرقمية، لا يقتصر على المنع أو التقييد فقط، بل يتطلب تفعيل الدور السلطوي الأبوي بشكل يتماشى مع التحولات التكنولوجية والاجتماعية الراهنة. لأن العالم الافتراضي بات جزءا من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، مما يستدعي تعاملا واعيا ومسؤولا من قبل الوالدين.
وشدد المتحدث، على ضرورة وضع جداول متوازنة بين الوقت المخصص للألعاب الإلكترونية، وبين الأنشطة الأخرى ذات الطابع التربوي، الثقافي، الرياضي، والاجتماعي، بما يضمن تنمية متكاملة لشخصية الطفل.
كما على الآباء والأمهات أن يكونوا على دراية بما يفعله أبناؤهم على الإنترنت، وذلك عبر الحوار المستمر من جهة، واستعمال تطبيقات المراقبة الأبوية من جهة أخرى، والتي يمكن تثبيتها على الهواتف والأجهزة اللوحية لمتابعة نشاطاتهم الرقمية عن قرب.ودعا شكاي، إلى ترسيخ الوعي لدى الطفل بخصوص المخاطر التي قد يتعرض لها، مثل الاستدراج من الغرباء، أو الانخراط في محتوى غير لائق، وهو ما يساعده على تكوين مناعة نفسية وأخلاقية أمام هذه التحديات.
مؤكدا في سياق متصل، على أن حماية الأبناء في العصر الرقمي تتطلب مزيجا من السلطة الأبوية الواعية والحوار الأسري المفتوح، حتى يشعر الطفل بأن الرقابة ليست قيدا، بل وسيلة لحمايته وبناء شخصيته بشكل متوازن.
لينة دلول