
تحيي الأسر القسنطينية عادات متوارثة مرتبطة بفصل الربيع، من خلال تحضير الأطباق التقليدية، وتبادل الزيارات، والتنزه الجماعي، كما تساهم حرفياتٌ في الترويج لذلك عبر عصرنة طرق تقديم المأكولات والتسويق لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بما يضمن استمراريتها ويمنحها بُعدا معاصرا يواكب تحولات المجتمع.
ولقد التقت «النصر» بغابة جبل الوحش، حيث تمتد الخضرة وتتعالى ضحكات العائلات، بمجموعة من الحرفيات في الطبخ التقليدي، وهن صافية ديمش صاحبة 70 سنة، ومنال ديمش، ووداد عرقوب، اللواتي فتحن دفاتر الذاكرة واخترن أن يحاكين أمامنا طقوس استقبال الربيع كما عشنها وتوارثنها. وعلى جلسة أرضية بسيطة فوق الأعشاب، وبين أوان تقليدية تفوح منها روائح «التريدة» و«السفنج» و«البراج»، فتحت هؤلاء النسوة دفاتر الذاكرة، واستحضرن للنصر، بكلمات مشبعة بلهجة قسنطينة أصيلة، تفاصيل الاحتفاء بالربيع.
* الحرفية في الطبخ التقليدي صافية ديمش
طقوس الربيع تعيد إحياء روح اللمة و التشارك
استرجعت الحرفية في الطبخ التقليدي صافية ديمش، صاحبة 70 سنة، في حديثها للنصر، ملامح الربيع القسنطيني بفخر، مؤكدة أن طقوس استقباله ما زالت تحتفظ بمكانة خاصة في وجدان العائلات، لأنها تعمق الهوية المحلية وتعيد إحياء روح اللمة والتشارك.
وأوضحت المتحدثة أن التحضيرات كانت تنطلق منذ أيام، حيث تدعو الجارة جارتها، ويجتمعن في جو من الألفة لتحضير أكلات تقليدية تعبق برائحة الزمن الجميل، على غرار البراج، الطمينة، الغرايف، المحمصة، السفنج، المشلوش، الرشتة، إلى جانب حلويات تقليدية مثل الكروكي، قاطو المحقن، بساط الريح، الغريبية، المقرقشات، وطمينة اللوز وطمينة الغرس.
وأضافت المتحدثة بأنهن كن يجمعن كل ما يحضرنه من أطباق وحلويات، لقضاء متسع من الوقت في مساحات خضراء، أين يتقاسمن الأكل ويتبادلن أطراف الحديث، ومن الأماكن كانت تحتضن هذه الطقوس، ذكرت « الحظيرة « التي كانت تقع قبل إنشاء جامعة منتوري قسنطينة 1، كانت أرضا خضراء شاسعة تلتقي فيها جميع العائلات القسنطينية.
ولا تكتمل أجواء الربيع، حسب صافية، دون أنغام المالوف التي كانت ترافق تلك اللقاءات، وترديد أغاني الشيوخ والفنانات، مستحضرة أسماء بارزة مثل زهور الفرقاني، ومحمد الطاهر الفرقاني، وبن طوبال، وبناني، الذين شكلت أعمالهم خلفية فنية دافئة لتلك الطقوس.
وتشير المتحدثة إلى أن الربيع كان أيضا موسم وفرة، حيث تتنوع الخضر الطازجة التي تفتح النفس للطبخ، مثل الشبت، القرنينة، الفول، البازلاء، الجرنيز، الملال، السمومة وبوشناف، ما يشجع على إعداد أطباق موسمية مميزة، أبرزها شخشوخة الفول وأطباق أخرى تعتمد على خيرات الأرض، وتؤكد أن الربيع ليس فقط فسحة، بل مطبخ خاص بنكهة مختلفة، من خلال تحضير، السفنج والبراج، والقهوة في الجزوة على الجمر، مع إضافة قشور البرتقال المجففة التي تمنحها رائحة وذوقا لا مثيل لهما.
تبادل الأطباق عادة راسخة
ومن العادات التي لا تزال راسخة، تضيف المتحدثة، تذويق الجيران والأقارب، حيث يرسل جزء من المأكولات المحضرة إلى المحيط القريب من أجل تعزيز روح التضامن والتقاسم، هبة الربيع التي تقدم للعروس، وتشمل فستانا وحذاء، إضافة إلى تريدة الطاجين والدجاج والبراج والطمينة، ليتم توزيعها أيضا على الجيران، كذلك إخراج المولود الجديد، بملابس جديدة.
* الحرفية في الطبخ والحلويات منال ديمش
الخروج للطبيعة لحظة استثنائية لتجديد الروابط الاجتماعية
من جهتها، تؤكد الحرفية في الطبخ والحلويات منال ديمش أن العائلات القسنطينية ما تزال متمسكة بطقوس استقبال الربيع، رغم تغير نمط الحياة وتسارع وتيرته، موضحة أن هذا الموعد السنوي يظل لحظة استثنائية تستعيد فيها الأسر روح اللمة والتخطيط الجماعي للخروج إلى الطبيعة التي تزخر بها قسنطينة من غابات وحدائق ومساحات خضراء كانت ولا تزال فضاء مفتوحا لتجديد الروابط الاجتماعية. وتضيف أن التحضير لهذا اليوم لا يكون عشوائيا، بل يتم بتنسيق مسبق بين النساء داخل العائلة الواحدة أو حتى بين الجارات، حيث تحرص كل امرأة على إعداد طبق معين، فتتكامل الأطباق وتتنوع، وكأنهن أمام مائدة جماعية كبيرة تحضر بحب وتعاون.
طقوس تحمل في عمقها دلالات اجتماعية و ثقافية كبيرة
وتشير منال إلى أن هذه الطقوس التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، تحمل في عمقها دلالات اجتماعية وثقافية كبيرة، فهي تعزز قيم المشاركة والتكافل، وتعيد إحياء عادات متوارثة، مثل تبادل الأطباق، وتذوق ما أعدته كل أسرة، وتخصيص وقت للحديث والضحك وتبادل الذكريات في أجواء طبيعية منعشة، موضحة بأن الربيع القسنطيني ليس فقط خروجا، بل فرصة للرجوع إلى روح زمان، أين كانت الجارة تسأل عن جارتها، والأفراد يلتقون بلا مواعيد عند بعضهم البعض.
وفي هذا السياق، ترى المتحدثة أن للحرفيات دورا محوريا في الحفاظ على هذا التراث، ليس فقط من خلال إعداد الأطباق الخاصة بفصل الربيع، بل كذلك عبر إعادة تقديمها في قالب عصري يواكب متطلبات اليوم، دون المساس بأصالتها.
وتوضح ديمش أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا مهما في هذا الجانب، حيث أصبحت الحرفيات يروجن لأطباقهن ويقدمن شروحات حول طرق التحضير، بل ويشاركن صورا وفيديوهات توثق هذه الطقوس، ما ساهم في انتشارها بشكل أوسع، خاصة لدى الجيل الصاعد الذي بدأ يكتشف هذه العادات ويقبل عليها من جديد.
وتضيف المتحدثة بأنه اليوم، وفي خضم الاستخدام الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، أصبح إلزاما علينا التعريف بتراثنا وتشجيع الفتيات الصغيرات على تعلم الوصفات القديمة الخاصة بالربيع.
«قهوة الجزوة» رمز للكرم والضيافة
وشددت الحرفية على أن الحفاظ على هذه الأطباق لا يقتصر على الشكل، بل يرتبط أساسا بجودة المكونات، حيث تحرص الحرفيات على استعمال منتجات طبيعية وتقليدية، مثل السمن البلدي، والدقيق الجيد، والتمر، مؤكدة أن النكهة الأصلية لا تنجح إلا بالمواد الأصلية.كما ترى أن إحياء المناسبات الموسمية، وعلى رأسها الربيع، يمر عبر توفير هذه الأطباق للزبائن، خاصة أولئك الذين لا يجدون الوقت لتحضيرها، ما يجعل الحرفيات حلقة وصل أساسية بين الماضي والحاضر.
ومن بين الطقوس التي لا تزال راسخة في ذاكرة القسنطينيين، تحضير قهوة الجزوة في الهواء الطلق، حيث يحمص البن في البيت، ثم يطحن ويحضر فوق الجمر أو الحجر.
وتوضح الحرفية أن هذه القهوة تقدم في جلسات الربيع كرمز للكرم والضيافة، وغالبا ما ترفق بأحاديث طويلة تمتد إلى غروب الشمس، مرددة مثلا شعبيا يعكس مكانتها: «قهوة العاصر تحيي المفاصل»، في إشارة إلى دفئها وقدرتها على إضفاء جو من الراحة والانتعاش في أمسيات الربيع.
* الحرفية وداد عرقوب
أحضر أطباقا مرتبطة بوفرة خضر الربيع
بدورها، تكشف الحرفية وداد عرقوب أن عملها في إعداد الحلويات والأطباق التقليدية مرتبط بشكل وثيق بموسم الربيع، حيث تبدأ التحضيرات مبكرا منذ شهر فيفري، باختيار أدق التفاصيل المتعلقة بالمكونات من دقيق عالي الجودة، وسمن بلدي، وتمر من النوع الجيد، تحضيرا لموسم يشهد إقبالا كبيرا.
وتوضح أنها، مع حلول شهر مارس، تنطلق في إعداد مختلف الأطباق والحلويات الخاصة بهذه المناسبة، مثل الطمينة والبراج، إلى جانب أطباق تقليدية أخرى، وتعرضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يسمح لها بالوصول إلى شريحة واسعة من الزبائن.وتؤكد وداد أن الطلب على هذه المنتجات يعرف ارتفاعا ملحوظا خلال موسم الربيع، خاصة من طرف العائلات التي تحرص على الحفاظ على الطقوس، وكذا الحموات اللواتي يقمن باقتناء المهيبة الخاصة بالمناسبة، إضافة إلى بعض الزبائن الذين يستعدون للسفر إلى خارج الوطن، فيحملون معهم هذه الأطباق كجزء من الذاكرة والهوية.
وأشارت كذلك إلى وجود أجانب يقدمون طلبيات لتذوق نكهة الربيع، خاصة الحلويات التقليدية المتمثلة في «البراج» و»طمينة الغرس»، فضلا عن بعض الأطباق التي تعد عنوانا لمائدة الربيع، مثل الشرشم، الشواط، العيش بالخضار، وشخشوخة الفول، وهي أطباق ترتبط بوفرة الخضر الموسمية وتعكس علاقة المطبخ القسنطيني بالطبيعة، مشيرة في ذات السياق إلى أن هذه الأكلات هي حكاية فيها تعب الجدات ونكهة الأرض.
لينة دلول