الأربعاء 13 مايو 2026
Accueil Top Pub

قضى 17 عاما في سجون الاستعمار الفرنسي: لحسـن بخوش مسيرة نضال وشهادة حية على مجازر 8 ماي 1945

تخليدا لـذاكرة 8 ماي 1945، تبرز مسيرة المناضل لحسن بخوش كشاهد استثنائي على مأساة خراطة وصمود 17 عاما في السجن، وفي هذا المقال، يوثق البروفيسور سفيان لوصيف شهادة تاريخية رصينة استنادا إلى حوار ميداني أجراه مسجلا وموثقا مع الفقيد بمنزله قبل وفاته، تأتي هذه المساهمة لتعيد رسم ملامح النضال بلسان صاحبه.

لحسن بخوش بن لخضر ومجوج مسعود، ولد سنة 1926 بقرية بني مرعي بخراطة، من أسرة عرفت بنضالها وثوريتها، فكان لأفرادها نصيب في مقاومة الاستعمار، عاش في زمن كانت فيه خراطة تحت وطأة المستوطنين بمختلف جنسياتهم، حتى اليهود منهم، الذين بسطوا سيطرتهم على جميع ميادين الحياة، فيما عاش الأهالي في فقر وضيق شديدين.
نشأ لحسن في كنف البساطة بين ربوع جبال خراطة، التحق بالمدرسة الفرنسية بأمر من والده، غير أن مشواره الدراسي لم يدم طويلا، دفعته قسوة الحياة إلى العمل في سن مبكرة في بوزريعة، ثم التحق سنة 1939 بمخزن للغذاء في باتنة، حيث كان موظف يوزع القوت على الأهالي الذي كان بالتقنين زمن الحرب، شاهدا على معاناة شعبه وصموده في وجه الحرمان والتمييز.
جند إجباريا وشارك في الحرب العالمية الثانية
جنّد بخوش لحسـن في الخدمة العسكرية الإجبارية أثناء الحرب العالمية الثانية، وكانت بدايته في ثكنة وادي الرهيو بالغرب الجزائري، حيث اقتصر دوره على التدريب و الإعداد العسكري، و مع دخول قوات الحلفاء إلى الجزائر سنة 1942، شكلّت فرقة مقاتلة كان من بين أفرادها، فنقل إلى الحدود التونسية حيث اشتدت المعارك و احتدمت المواجهات، هناك التقت فرقته بالقوات الإنجليزية و الأمريكية، و كان الجميع يحمل في قلبه أملا كبيرا بالحرية و الخلاص من نير الاستعمار، و في خضم تلك الأحداث وعدوا بالاستقلال بعد نهاية الحرب، غير أن الواقع كشف لاحقا أن طريق التحرر كان أطول وأقسى مما ظنوه.
قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية سرّح بخوش لحسـن من الخدمة العسكرية الإجبارية، فعاد إلى خراطة يحمل معه خبرة واسعة في فنون القتال وروح المقاومة، إلى جانب وعي سياسي بدأ يتشكل في ذهنه مع احتكاكه بمجندين من شعوب كانت تطمح إلى الحرية وتنبذ العبودية، لقد أدرك حينها أن الاستقلال ليس وعدا يمنح، بل حق ينتزع.
انخرط في صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية، لتكون مدرسته الأولى في التنظيم والانضباط، ثم واصل مسيرته في النضال السياسي إلى جانب مجموعة من المناضلين تحت إشراف محند أعراب حنوز، فكانوا يبثون الوعي الوطني في أوساط الشعب، ويعملون على توعية الأهالي بخطر الاستعمار.
نشط بخوش لحسـن في توزيع المناشير السياسية وجمع التبرعات لدعم الحركة الوطنية، غير أن نشاطه لم يمر دون أن يثير شكوك الموالين للإدارة الاستعمارية، الذين وشوا به، فكان أن ألقي القبض عليه من قبل الدرك الفرنسي، وسجل ضده محضر قضائي، في أول مواجهة مباشرة له مع آلة القمع الاستعماري، صدر ضده حكم من محكمة قسنطينة بالسجن النافذ لمدة ثلاثة أشهر، قضى خلالها أياما ثقيلة تحت وطأة القيد والعزلة.
و لما أفرج عنه خرج من بوابة السجن تائها لا يعرف وجهته، غريبا عن المدينة التي لم يألف شوارعها و لا وجوهها، وقف حائرا على مقربة من السجن، فيما كان الحارس يزجره قائلا:” اذهب من هنا “، دون أن يجد مأوى أو دليلا يهديه، ظل على حاله حتى لمح شيخا وقورا يمر بالقرب منه، فاستوقفه قائلا له:” يا عم، لا أعرف هذه المدينة، كنت سجينا و أريد العودة إلى خراطة “، رقّ له الشيخ، وأبدى شهامة نادرة، إذ أخذ بيده و قاده إلى محطة القطار، و أعطاه مبلغا من المال يكفيه للعودة إلى خراطة، في موقف إنساني ظل محفورا في ذاكرة بخوش لحسـن ظل يرويه للأبناء.
فرنسا تنكرت للجزائريين بعد أن وعدتهم بالاستقلال
في ذكرى مجازر 8 ماي 1945 يروي بخوش لحسـن أن فرنسا بعد انتصار الحلفاء على النازية، كانت قد وعدت بالاستقلال، فانبرى الناس في سطيف يعبرون عن فرحهم ومطالبهم بالحرية، كان من بين المتظاهرين الكشاف سعال بوزيد، الذي تعرض لإطلاق الرصاص من الشرطة الفرنسية فاستشهد على الفور، ومن هنا اندلعت شرارة الانتفاضة في سطيف التي سرعان ما امتدت إلى المناطق المجاورة، وبلغت خراطة.
يصف مساء ذلك اليوم قائلا:» وصلت إلى خراطة حافلة مثقوبة بالرصاص قيل أن المنتفضين في عموشة اعترضوها، فالتف شباب القرية في جماعات متحمسة، و كنت من بين الحضور، أرسل بعضهم إلى القرى المجاورة ليعلموا الناس بأنهم سيهاجمون المصالح الفرنسية ليلا، و انتشر الخبر حتى وصل إلى القرى المجاورة، و علم بالأمر حتى قرى بوعنداس، و كان الحماس لدى الأهالي حاضرا، يغلبه قبل كل شيء غياب الثقة بالوعود و بداية إصرار على انتزاع الحقوق بالقوة إن اقتضى الأمر».
جاءت الحشود من مختلف القرى و المداشر، حتى غصت شوارع خراطة بالناس في حدود الساعة الثانية ليلا، و قد بدا أن الانتفاضة بلغت ذروتها، حين علم الدرك الفرنسي بتحركاتهم، سارع إلى جمع الكولون في بيت فورني لحمايتهم، تم إخطار الجيش الفرنسي بما جرى، فسارع إلى خراطة مدججا بالسلاح، بينما فر المتظاهرون إلى الجبال و الغابات يحتمون بها من بطشه، و ما إن وصل العسكر حتى بدأوا بإطلاق الرصاص في كل اتجاه، لا يفرقون بين مقاوم و أعزل، في محاولة لإخماد لهيب الانتفاضة، لكن الجيش الفرنسي بمساعدة الكولون و القياد، سرعان ما دبروا مكيدة ماكرة للإيقاع بالمنتفضين واحدا تلو الآخر.
مكيدة فرنسا للإيقاع بالمناضلين في خراطة
أرسل القياد إلى القرى والجبال المحيطة بخراطة يبلغون الأهالي بأن فرنسا تدعوهم للصلح، وأن العفو العام قد صدر ولا خطر على أحد، كانت الكلمات تحمل وعودا كاذبة وسما مغلفا باللين، انخدع كثيرون بتلك الدعوات، فنزلوا من الجبال التي احتموا بها، مؤمنين بصدق الوعود، غير أنهم وقعوا في الفخ الذي نصب بإحكام يوم 15 ماي 1945، وبهذا نجحت مكيدة الفرنسيين، الذين استغلوا ثقة الناس ليعيدوا قبضتهم الحديدية على المنطقة ويبدأوا فصلا جديدا من القمع والانتقام.
جمع الفرنسيون من وقع في قبضتهم من المنتفضين في ساحة البريد بخراطة، وهناك بدأت فصول مأساة لا تنسى، نزعت عنهم ثيابهم، ووضعوا على الزفت الساخن، تلهب أجسادهم حرارة الحديد الملتهب، فيما كانت السياط تنهال عليهم بلا رحمة، طال العذاب حتى سئم الجلادون أنفسهم، فقرروا نقل من تبقى على قيد الحياة إلى مصير أشد قسوة، حشروا في شاحنات عسكرية متجهة نحو شعبة لآخرة، وهناك كان المشهد مروعا، قيّد الرجال من أيديهم وأرجلهم ورمي بهم من أعلى الجبل إلى قاع الوادي.
وكان بخوش لحسن من بينهم ينتظر مصيره المحتوم، حتى تقدم ضابط فرنسي أمامه وقال لجنوده «هذا أتركوه»، تملكته الدهشة، ولم يدر سبب نجاته، لكنه ظن أن الضابط رقّ لحاله لما رأى صغر سنه ونحافة جسده المنهك، مدّ إليه رغيف خبز، عالما أنه لم يذق طعاما منذ ثمانية أيام من العذاب المتواصل، أعيد بعدها إلى الشاحنة، ومنها نقل إلى محتشد سطيف، حيث قضى شهرا كاملا بين أسوار الاستنطاق القاسي، ثم حول إلى المحكمة العسكرية في قسنطينة، ليواجه فصلا جديدا من محنته.
نجى من الإعدام وسجن من 1945 إلى 1962
مثل يوم 8 ديسمبر 1945 أمام المحكمة العسكرية بقسنطينة، رفقة عدد من أبناء خراطة المتابعين في إطار أحداث 9 ماي 1945، بتهم تتعلق بالنهب الجماعي و إضرام الحرائق عمدا زمن الحرب، و قد ورد اسمه ضمن ستة متهمين هم: خلوفي محمد، بخوش لحسن، حوالي موسى، بهوش أحمد، رملي رابح، و حمار محمد.
وبعد المداولة، أصدرت المحكمة حكمها بإعدام الستة، حيث نسبت إلى بعضهم تهمة القتل و إلى آخرين النهب و الحرق العمد، في سياق ما اعتبرته السلطات الاستعمارية أعمال شغب و تمرد، غير أن ملفه عرض مجددا يوم 15 ديسمبر 1945، حيث أعيد النظر في الحكم الصادر في حقه، في إطار استكمال إجراءات المحاكمة العسكرية المرتبطة بأحداث خراطة، قبل أن يدرج لاحقا ضمن المحكوم عليهم بالإعدام الذين خفف عنهم الحكم إلى السجن المؤبد.
في ذلك السجن جمعته الأقدار برجال عظام، من أمثال فرحات عباس، و الشيخ الإبراهيمي، و الدكتور سعدان، فكانت لهم بصمة في زرع الأمل في نفوس المسجونين رغم قسوة المصير، و في خضم تلك الأيام الحالكة، نفذ حكم الإعدام في رفيقيه من خراطة، منعة مسعود و بركات علي.
زار الدكتور بن جلول المساجين في سجن الكدية، رفع من معنوياتهم بكلماته المطمئنة، وقال لهم: « سأذهب إلى الحكومة العامة لرفع عقوبة الإعدام عنكم «، وبعد أسابيع عاد الدكتور بن جلول من جديد يحمل بشرى طال انتظارها، إذ أبلغوا رسميا برفع عقوبة الإعدام، لكنها استبدلت بالسجن المؤبد، وعلى الرغم من قسوة الحكم، إلا أن الأمل بالحياة كان بالنسبة لهم انتصارا صغيرا على الموت.
نقل بخوش لحسـن و رفاقه بعد ذلك إلى سجن الحراش، حيث وضعوا في زنزانات مزدحمة مع المنحرفين و اللصوص في محاولة لإذلالهم و كسر معنوياتهم، غير أن روح النضال لم تنطفئ فيهم، فاقترح المناضل بوراس من سطيف أن يضربوا عن الطعام حتى تعاملهم الإدارة كمعتقلين سياسيين، لا كمجرمين عاديين، استمر الإضراب أربعة و عشرين يوما، عانى فيه المساجين من الجوع و الإنهاك، حتى استشهد أحد المناضلين من بني عزيز، عندها وصلت لجنة تحقيق إلى السجن للتحاور معهم، و كلف بوراس بالتحدث باسم الجماعة، فسلّم لهم مطالبهم العادلة، و بعد مفاوضات طويلة، استجابت الإدارة جزئيا فحسنت من ظروفهم، و وضعوا في غرف خاصة بهم، ليعيشوا بكرامة نسبية رغم القيد المفروض عليهم.
في سجن الحراش دخل بخوش لحسـن في شجار مع أحد الحراس، فاعتبر ذلك ذريعة لمعاقبته مجددا، ليحول على إثرها إلى سجن لومباز، حيث وضع في زنزانة انفرادية ضيقة لا ترى النور إلا من ثقب صغير في الجدار، كانت الوحدة ثقيلة لكن صبره كان أثقل منها وأرسخ، إذ ظل يقاوم العزلة بإيمانه العميق بقضية وطنه، وفي أحد الأيام وبينما كان يضبط أذنه على إذاعة تونس، سمع الخبر الذي غير مجرى حياته، وقف القتال وإعلان عيد النصر. لم يصدق أذنيه في البداية وأعاد تشغيل المذياع مرات عديدة طوال اليوم، يتأكد من أن الحلم قد صار حقيقة، تلك الليلة لم يغمض له جفن من شدة الفرح، و بعد أيام أفرج عن عدد كبير من المساجين، غير أن من حكم عليهم بالإعدام و من بينهم بخوش لحسـن لم يطلق سراحهم إلا في شهر ماي سنة 1962، و أغلقت بذلك صفحة من الألم امتدت مدة 17 سنة. بعد إطلاق سراحه في شهر ماي 1962 عاد بخوش لحسـن إلى خراطة مثقلا بآثار السجن، حاملا ذاكرة جريحة، عاش وفيا لقضية 08 ماي 1945، منافحا عن ذكراها في وجه النسيان، شاهدا حيا يروي للأجيال ما اقترفته آلة القمع الاستعماري في خراطة و سطيف و قالمة، كان من الأعضاء النشيطين في جمعية 8 ماي 1945 منذ تأسيسها، يشارك في إحياء الذكرى كل عام، و يحضر التجمعات و الندوات، مستحضرا أسماء الشهداء و مآسي السجون، ظل يعتبر أن الوفاء لرفاقه الذين أعدموا أو رموا في الوديان أمانة في عنقه، فكرّس ما تبقى من عمره ليبقى صوت تلك المأساة حاضرا في الوجدان الوطني، مؤمنا بأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تموت، كما نسج علاقات أخوية متينة مع رفاقه المساجين من مختلف ولايات الوطن الذين عرفهم في دروب المحنة، حتى إن زوجته هي ابنة أخ أحد رفاق السجن، بهوش أحمد، في دلالة على عمق الروابط التي صنعتها سنوات النضال و الأسر. وتوفي بعد مرض عضال يوم 19 مارس 2019.

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com