
بعد عقود من الصمت والسرية، فتحت وزارة الحرب الأمريكية واحدا من أكثر الأرشيفات غموضا وإثارة للجدل، كاشفة لأول مرة مئات الصور والفيديوهات والتقارير الرسمية التي توثق مشاهدات لأجسام وظواهر عجزت المؤسسات الأمريكية نفسها عن تفسيرها. وبين 161 ملفا رفعت عنها السرية إلى حد الساعة، تظهر تسجيلات حرارية مذهلة لأجسام تخرج من العدم وتتحرك بسرعات غير اعتيادية وتغير اتجاهها بشكل مفاجئ، فضلا عن تقارير عن أجرام برتقالية "تطلق" أجراما أصغر منها في السماء قبل أن تختفي بلمح البصر، بالإضافة إلى شهادات لعناصر فيدراليين ورواد فضاء تحدثوا عن ومضات وأجسام مجهولة عبر كوكب الأرض وفي الفضاء. ورغم أن الوثائق لا تتحدث عن "كائنات فضائية"، إلا أنها تشكل اعترافا بظواهر غريبة غير معروفة تُسائل حدود الإدراك البشري.
واطلعنا على مجموعة من ملفات الدفعة الأولى التي رفعت عنها السرية ضمن "نظام الكشف والإبلاغ عن مواجهات الظواهر الشاذة غير المعرفة"، حيث كشفت عنها وزارة الحرب الأمريكية عبر موقعها الإلكتروني وجعلتها متاحة لجمهور مستخدمي الانترنيت. وتتضمن الدفعة الأولى 161 ملفا، تحتوي على المئات من الصور والفيديوهات وتقارير المراقبة الجوية وملاحظات فرق الاستطلاع والتقارير العملياتية الداخلية، بالإضافة إلى مراسلات داخلية حول تقارير وشهادات عن مشاهدات لأجسام طائرة وغيرها من المواد التي جمعت لأكثر من 80 سنة من قبل هيئات فيدرالية مختلفة إلى غاية بداية 2026، على غرار وكالة التحقيقات الفيدرالية ووكالة ناسا ووزارة الدفاع الأمريكية، لكنها ظلت محاطة بالسرية إلى غاية أول أمس الجمعة.
وتصف بعض الوثائق المفرج عنها أجساما طائرة تتحرك بسرعات غير اعتيادية وتغير الاتجاهات بشكل مفاجئ تتحدى قوانين الفيزياء المعروفة، ناهيك عن أجسام تختفي من الرادارات وتعود للظهور دون أن تبدو عليها أي تكنولوجيا دفع معروفة، كما تظهر الصور ومقاطع الفيديو صورا حرارية وتسجيلات بالأشعة تحت الحمراء وفيديوهات التقطتها كاميرات المنصات العسكرية الأمريكية في أماكن مختلفة من العالم، على غرار مقطع فيديو ملتقط في 1 جانفي 2026 لظاهرة شاذة غير معرفة قدمته وزارة الحرب في تقرير لمكتب حل الظواهر الشاذة متعددة المجالات AARP.
نقاط مجهولة تحلق بمسارات غريبة وتختفي بسرعة هائلة
ويكشف الملف أن المقطع التقط بمستشعر يعمل بالأشعة تحت الحمراء على متن منصة عسكرية، حيث لم يقدم المبلغ أي وصف شفوي أو كتابي للجسم، بينما لاحظنا من خلال المقطع والوصف المدرج معه في الملف أن المستشعر يقوم بتتبع منطقة اهتمام أولية في الثواني الثمانية الأولى، ثم يفصل تركيزه عن المنطقة السابقة من الثانية 9 إلى 16، ليتحرك من اليمين إلى اليسار لتتبع منطقتين متباينتين، مع تضييق مجال الرؤية عبر التقريب Zoom أثناء الحركة للحفاظ على الأجسام في وسط الإطار. ويوسع المستشعر من الثانية 17 إلى 1:03 مجال الرؤية عبر التراجع في التقريب مع إبقاء مناطق التباين متمركزة تقريبا في وسط الشاشة، ثم ينتقل مجال رؤية المستشعر بسرعة بين مستويات مختلفة من التقريب ما بين 1:04 إلى 1:08، ما يجعل مناطق التباين تبدو وكأنها تكبر وتصغر بسرعة، ليواصل ما بين 1:09 إلى 1:48 تتبع مناطق التباين مع الحفاظ على تمركزها النسبي داخل الإطار مع التبديل المتقطع بين إعدادات التباين.
ولا يظهر من المقطع عند المشاهدة إلا مرور شكل بأجنحة؛ يمر في البداية ثم يميل وتغادر، وهي المرحلة التي يصفها التقرير المرفق مع الملف بعبارة "المستشعر يقوم بتتبع منطقة اهتمام أولية" في الثواني الثمانية الأولى، قبل أن تظهر نقطتان تحلقان بشكل متجاوز وكأنهما جسم واحد أو جسمان يحافظان على مسار متوازي، لكنهما تتحركان نحو اليمين واليسار تحركا حرا وكأنهما معلقتان في الهواء ثم تبتعدان. ولم يحمل الملف أي معلومات محددة حول موقع الحادثة باستثناء عبارة "أمريكا الشمالية"، لكن يلاحظ أن مقطع فيديو آخر ملتقط بمستشعر للأشعة تحت الحمراء في مطلع جانفي من سنة 2023 في اليابان يحتوي على مشهد لثلاث نقاط تحافظ على وضعية ثابتة ومسافة متوازنة بينها، في حين يظهر مقطع آخر ملتقط في منطقة الخليج من الشرق الأوسط مشهدا لسفينة في عرض البحر، قبل أن يظهر بالقرب منها جسم يتحرك في مسار منحني متغير وسريع، بينما لم يكن واضحا من الملف إن كان الجسم يحلق أم يسبح في البحر.
مطاردة بالمروحية لجرم مشتعل تقود لمشاهدات عجيبة
ومن بين أكثر الملفات إثارة داخل الأرشيف الذي كشف عنه، برزت قضية ما أصبح يعرف بسرعة بـ"الأجرام البرتقالية" Orange Orbs، حيث يكشف أحد الملفات عن سلسلة من المشاهدات التي وثقتها تقارير رسمية لعناصر فيدرالية وعسكرية في مناطق متفرقة من غرب الولايات المتحدة. وبحسب الوثائق المنشورة، فقد بدأت إحدى أبرز الحوادث أثناء مهمة ليلية بالقرب من موقع حكومي لم يكشف عنه، إذ رصد أفراد الطاقم في البداية جسما وصف بأنه "فائق الحرارة" عندما كان يحوم قرب سطح الأرض قبل أن يتحرك بسرعة كبيرة باتجاه الشرق، ثم انقسم الجرم إلى جسمين منفصلين، قبل أن يشاهد أحد الطيارين جسما ثالثا يخرج منها وينطلق في اتجاه مختلف تماما بسرعة عالية.
ويذكر التقرير أن الحادثة وقعت السنة الماضية، حيث لاحق العناصر الجسم باستعمال مروحية كانوا على متنها لكنهم فشلوا في الوصول إليه، لكن الجزء الأكثر غرابة في الملف لم يكن المطاردة، بل ما حدث بعد دقائق، إذ يتحدث التقرير، الذي أخضع لمراجعة وحذف، عن ظهور جرمين برتقاليين ثابتين في السماء، بيضاويي الشكل، يتوسط كل واحد منهما مركز أبيض أو أصفر شديد اللمعان. وبعد لحظات، بدأت أجرام أخرى إضافية بالظهور أسفل الجرمين الأصليين، الواحد تلو الآخر، حتى وصل العدد إلى أربعة أو خمسة أجرام متراصة عموديا، ثم أخذت الأضواء تختفي بالتتابع العكسي قبل أن يختفي المشهد بالكامل.
ويعرض تقرير آخر سلسلة مشاهدات وثقها عملاء فدراليون في غرب الولايات المتحدة خلال فترتي الغسق وما قبل الفجر، ففي إحدى الحوادث، تحدثت ثلاث فرق مكونة من ستة عملاء تحقيقات فدراليين عن رؤية "أجرام برتقالية" تظهر فجأة في السماء لثوان معدودة، قبل أن تطلق مجموعات من الأجرام الحمراء الأصغر حجما، حيث كانت الأجرام الحمراء تتحرك أفقيا بعد انطلاقها، بينما ذكر بعض الشهود أن بعضها كان يرتفع بزاوية حادة أو يهبط بشكل يشبه "الانقضاض". وقد تكررت هذه الظاهرة خمس مرات على الأقل خلال يومين متتاليين، ومن مواقع مراقبة مختلفة، ما جعل المحققين غير قادرين على تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بجسم "أمّ" واحد يطلق الأجرام الصغيرة، أو عدة أجسام منفصلة تعمل بالتزامن.
ويتضمن التقرير أيضا أن عميلان فيدراليان لاحقا في حادثة أخرى وقعت قبل الفجر ما اعتقدا في البداية أنه سيارة تتحرك داخل منطقة محظورة، حيث كان الجسم يحمل ضوءين، أحدهما أحمر والآخر أبيض، على ارتفاع منخفض عن الأرض، لكنهما تفاجآ بانحرافه فجأة عن الطريق وتحركه فوق الصحراء دون أن يغير اتجاهه أو ارتفاعه بمجرد اقترابهما منه، كما لو أنه "ينزلق بلا مقاومة". ووصف أحد الشاهدين الجسم بأنه بدا مثل "خط رفيع جدا"، بينما قال الآخر إنه يشبه "طائرة ورقية داكنة وغير واضحة المعالم". وعند استخدام نظارات الرؤية الليلية، بدا الجسم بعرض يقارب أربعة أقدام، ويتحرك أفقيا بسرعة تتراوح بين 15 و20 ميلا في الساعة، قبل أن يختفي تماما بعد إطفاء أضوائه.
وبعد نحو نصف ساعة فقط، عاد العميلان إلى المنطقة نفسها رفقة زميل ثالث إثر بلاغ جديد عن جسم غير مصرح به، حيث شاهدا هناك جسما آخر يشبه الطائرة الورقية مع نمط إضاءة مماثل للجسم السابق، ومعلقا على ارتفاع يقارب 6 أمتار فوق الأرض ومائلا بزاوية غريبة. وقال أحد العملاء، مستخدما نظارات الرؤية الليلية، إنه استطاع رؤية نجوم بعيدة "من خلال الجسم نفسه"، ما دفعه للاعتقاد بأنه كان شبه شفاف. وعندما حاول الفريق إعادة رصده باستعمال كشاف ضوئي، ذكر أحد الشهود أن حزمة الضوء توقفت فجأة في نقطة معينة كما لو أنها اصطدمت بجسم غير مرئي، قبل أن تعود لاختراق الظلام بشكل طبيعي بعد لحظات. أما أكثر المشاهدات إثارة، فكانت لجسم ناري برتقالي ضخم شوهد قرب تكوين صخري في منطقة صحراوية، وصفه العملاء بأنه يشبه "عين سورون" من السلسلة السينمائية "سيد الخواتم" Lord of The Rings، مع توهج برتقالي ثابت وصمت كامل، بينما بدا وكأنه "معلق في الهواء بدون أي مقاومة أو حركة"، بينما قدرت التحقيقات اللاحقة قطر هذا الجسم بما بين 12 إلى 18 مترا.
رواد فضاء أكدوا في تقارير وصور مشاهدة ظواهر مجهولة
ووردت في الوثائق الجديدة أيضا تقارير مرتبطة بما رواه رواد الفضاء أثناء المهمات المدارية، خاصة ضمن برامج وكالة "ناسا"، حيث لا تقدم هذه الروايات كأدلة على ظواهر غير معروفة، بل كملاحظات بصرية سجلت أو أعيد توثيقها لاحقا ضمن ملفات تتعلق بمشاهدات غير مفسرة. وتشير هذه التقارير إلى أن بعض رواد الفضاء خلال المهمات المدارية أفادوا بملاحظة نقاط ضوئية أو ومضات غير مألوفة خارج المركبة، خصوصا عند المرور فوق مناطق مظلمة من الأرض أو فوق المحيطات، حيث وصفت هذه الأجسام في بعض الحالات بأنها تتحرك بسرعة أو تختفي فجأة من مجال الرؤية.
ويوجد بين الملفات المكشوف عنها تسجيل صوتي لرائد الفضاء فرانك بورمان مع كوكب الأرض خلال رحلة مهمة "جيمناي 7"، حيث يبلغ فيه مركز التحكم في المهمة التابع لوكالة ناسا عن مشاهدته لجسم غير معرف، أشار إليه باسم Bogey وهو المصطلح الذي يستخدمه الطيارون للدلالة على الأجسام غير المعرفة في الجو، فيما سجلت هذه المشاهدة في 5 ديسمبر 1965.
وتظهر مجموعة من السجلات الواردة في أرشيف مهام أبولو، المنسوبة إلى وكالة NASA، أن عددا من رواد الفضاء سجّلوا خلال رحلاتهم إلى القمر ملاحظات بصرية غير مألوفة اعتُبرت لاحقا "ظواهر غير محددة"، ففي مهمة "أبولو 12" وصف رائد الفضاء آلان بين رؤية جسيمات وومضات ضوئية تبدو وكأنها "تبتعد عن سطح القمر"، بينما أشار القائد تشارلز كونراد إلى رصد حطام عائم مضاء بضوء المركبة. وفي مهمة "أبولو 17"، أفاد رواد الفضاء رونالد إيفانز وجاك شميت بمشاهدة جسيمات لامعة متحركة قرب المركبة، وصفت بأنها تشبه "ألعابا نارية فضائية" مع ترجيحات بأنها قد تكون شظايا من صاروخ "ساتورن 5"، كما أبلغ القائد يوجين سيرنان عن ومضات وأضواء متقطعة استمرت لساعات، وفُسرت جزئيا على أنها أجسام مرتبطة بالمركبة أو بمكوناتها المنفصلة.
أما في "أبولو 11" فقد تضمنت تقارير الطاقم ملاحظات عن أضواء داخلية خافتة، وجسم مضيء خارج المركبة، فضلا عن ضوء بعيد فُسّر بشكل مبدئي على أنه احتمال ليزر أو جسم تابع للصاروخ. وتشير هذه السجلات مجتمعة إلى أن الظواهر المرصودة لم تُصنف كأجسام غير معروفة بشكل قاطع، بل بقيت ضمن إطار تفسيرات محتملة مرتبطة ببيئة المركبات الفضائية وظروف الرصد في الفضاء.
ولا تقدم الدفعة الأولية من الوثائق المفرج عنها حول الظواهر الشاذة غير المعرفة UAPs أي أدلة قطعية على وجود كائنات أو تقنيات غير بشرية، لكنها تكشف بوضوح أن مؤسسات عسكرية وعلمية كبرى واجهت، على امتداد عقود، ظواهر لم تستطع تفسيرها بشكل نهائي. وربما لا تكمن أهمية الملفات المذكورة فيما تثبته، بقدر ما تكمن في اعترافها بوجود مناطق مجهولة داخل أكثر أنظمة الرصد والتكنولوجيا تطورا في تاريخ البشرية، فضلا عن أنها تعيد اليوم طرح سؤال ظل لعقود حبيس نظريات المؤامرة والخيال العلمي حول حدود الإدراك الإنساني للوجود الذي نلتقطه دون قدرة على التحويل إلى معطيات قابلة للفهم والتفسير، حيث قال عالم الفيزياء ميتشيو كاكو Michio Kaku يوم أمس في تصريح لقناة "فوكس نيوز"، إن "البشر لا يمكن أن يكونوا على متن الأجسام التي تطير بتلك السرعة وبحركات متعرجة بالشكل الذي بدت عليه لأن ذلك سيؤدي إلى سحق عظامهم". وتجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية قد وعدت بمواصلة رفع السرية عن مزيد من الملفات ونشرها بشكل دوري خلال الأسابيع القادمة.
س.ح