الأربعاء 13 مايو 2026
Accueil Top Pub

حارس البوابة التقليدي أمام تحدي هيمنتها: محتوى مواقع التواصل الاجتماعي في قبضة الخوارزميات


يُثير تكرار نفس المواضيع والأفكار على مواقع التواصل الاجتماعي، تساؤلات المتصفحين الذين يلاحظون أن نفس الأفكار، نفس المقاطع، ونفس المواضيع تعود للظهور بصيغ مختلفة، وكأن المنصّة “تفهمنا” أكثر مما نتوقع. ما نشاهده على شاشاتنا لا يبدو عشوائيا، بل أقرب إلى محتوى يعاد ترتيبه بعناية ليتماشى مع ما نريد متابعته وما اعتدنا التفاعل معه، ومع هذا التدفق المنظّم للمحتوى، تتحول تجربة التصفح من فضاء مفتوح لا نهائي إلى مساحة أقرب إلى المرآة الرقمية، تعكس اهتماماتنا وتعيد إنتاجها باستمرار، دون أن ننتبه لطريقة تشكّل هذا المشهد من حولنا. وهنا يبرز فضول طبيعي: كيف يتم اختيار هذا المحتوى تحديدًا دون غيره؟ و من هو العقل المدبر الذي يتحكم في تدفق المحتوى المعروض أمامنا؟ هل هو حارس بوابة رقمي أم حارس بوابة بشري ؟

تؤكد الدكتورة وصال سعيدوني، المختصة في الإعلام الآلي والمسؤولة عن دار الذكاء الاصطناعي بجامعة قسنطينة 3، للنصر أن منصات التواصل الاجتماعي تعتمد على خوارزميات تقوم على منظومة تقنية معقدة تتداخل فيها عدة أنماط من الذكاء الاصطناعي، و أبرز أنواعها هي خوارزميات التعلم الآلي التي تقوم بتحليل سلوك المستخدم وتفاعلاته السابقة لتوقع اهتماماته، و هناك خوارزميات التعلم العميق القادرة على فهم المحتوى المرئي والصوتي مثل الصور والفيديوهات عبر تقنيات الشبكات العصبية. و نجد أيضا خوارزميات أنظمة التوصية التي تقترح محتوى جديد بناءً على اهتمامات المستخدم وسلوك مستخدمين مشابهين له، إضافة إلى خوارزميات التصفية والترتيب التي تتحكم في كيفية ظهور المنشورات حسب درجة التفاعل والأهمية، حيث تقوم هذه الأنظمة، بحسب المتحدثة، بتحليل دقيق لسلوك المستخدم داخل المنصة، من خلال تتبع التفاعلات المختلفة مثل الإعجابات، المشاهدات، ومدة التصفح، قبل تحويل هذه المعطيات إلى نموذج رقمي يعكس اهتماماته وتفضيلاته، ليتم لاحقا اقتراح محتوى مطابق لسلوكه السابق، في إطار ما يُعرف بدورة التغذية الراجعة التي تجعل الخوارزمية أكثر دقة مع كل استخدام جديد.

وتؤكد سعيدوني أن البيانات تمثل العنصر الحاسم في هذه البيئة، إذ تتحكم بشكل مباشر في جودة النتائج، حيث ترتبط دقة التوصيات بمدى جودة المعطيات التي يقدّمها المستخدم. كما تشير إلى أن هذه الخوارزميات لا تعمل بمعزل عن أطراف أخرى، بل تخضع أيضا لسياسات المنصات الرقمية ومطوريها، الذين يحددون طبيعة المحتوى المسموح به أو الممنوع، وهو ما يفسر اختلاف المحتوى المعروض من منصة إلى أخرى.
وفي سياق متصل، تحذّر المتحدثة من ظاهرة “الفقاعة المعلوماتية” التي قد يقع فيها المستخدم دون وعي، نتيجة انحصار المحتوى في دائرة اهتماماته فقط، مما يقلل من تنوع المعلومات التي يتعرض لها. وترى أن الخروج من هذه الدائرة يتطلب وعياً رقمياً متزايداً، عبر تنويع التفاعلات، والبحث المتعمد عن محتويات مختلفة، إلى جانب تقليص مدة الاستخدام وإدارة البيانات الشخصية بشكل أكثر حذراً، بما في ذلك حذف ملفات تعريف الارتباط (Cookies) عند الحاجة.
وأضافت الدكتورة وصال سعيدوني أن هذه المنصات، رغم أنها تبدو مجانية للمستخدم، إلا أن ثمن استخدامها يتمثل في البيانات الشخصية التي يقدمها المستخدم دون وعي منه، حيث تعتمد الخوارزميات بشكل أساسي على هذه المعطيات لتوجيه المحتوى والإعلانات، ما يجعل المستخدم في الوقت نفسه مستهلكاً ومنتجاً للبيانات داخل هذه البيئة الرقمية.
و أضافت أن المستخدم لم يعد مجرد متلقٍ سلبي، بل أصبح جزءاً من منظومة إنتاج المحتوى، حيث تتحول بياناته إلى مادة أولية تغذي الخوارزميات، ما يجعل الاستخدام الواعي والآمن لهذه المنصات ضرورة حتمية في العصر الرقمي.
حارس البوابة البشري أمام تحديات جديدة

يرى البروفيسور نصر الدين بوزيان، أستاذ الإعلام والاتصال بكلية علوم الإعلام والاتصال والسمعي البصري بجامعة قسنطينة3، أنّ التحولات الرقمية الراهنة فرضت تحديات عميقة على ما يُعرف بـ«حراس البوابة» التقليديين، في ظل هيمنة الخوارزميات على آليات إنتاج المحتوى وتوزيعه.
و في تصريح للنصر أكد البروفيسور نصر الدين بوزيان إلى أنّ هذه التحديات ذات طابع تقني بالدرجة الأولى، إذ لم يعد دور حارس البوابة يقتصر على انتقاء المعلومات وصياغتها وفق المعايير المهنية الكلاسيكية، بل بات يتطلب فهما دقيقا لطبيعة عمل الخوارزميات، وإتقان استخدام الكلمات المفتاحية، والإلمام بمختلف الأبعاد التقنية التي تتحكم في وصول المحتوى إلى الجمهور. فلكل منصة رقمية منظومة خوارزمية خاصة بها، ما يفرض على الفاعلين في المجال الإعلامي التكيّف مع هذه الخصوصيات لضمان انتشار محتواهم وفعاليته.
وأضاف المتحدث أنّ أدوات التحرير والكتابة وإبراز المحتوى شهدت تحولات جذرية، ولم يعد بالإمكان الاعتماد على الأساليب التقليدية وحدها، لأنها لم تعد تضمن الوصول إلى الجمهور في بيئة رقمية تتسم بالمنافسة الشديدة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية توظيف أدوات تحليل الجمهور وفهم اهتماماته، بما يمكّن المؤسسات الإعلامية من تحسين استراتيجياتها في إنتاج المحتوى واختيار زوايا المعالجة.
وفي حديثه عن مفهوم «حارس البوابة»، اعتبر البروفيسور بوزيان أنّ هذا المصطلح يطرح إشكالاً نظرياً في ظل الانفتاح الواسع على تدفق المعلومات، غير أنّ عملية تنظيم المحتوى بين المرسل والمتلقي ما تزال تمر عبر مراحل أساسية ومترابطة. إذ تنطلق أولاً من مرحلة إنتاج المحتوى، سواء كان إنتاجا بشريا تقليديا أو إنتاجا آليا قائما على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، ثم تأتي مرحلة المعالجة والتحرير التي يتم فيها انتقاء المادة الإعلامية وصياغتها وتكييفها وفق الأهداف التحريرية، لتليها مرحلة التوزيع عبر المنصات الرقمية والخوارزميات التي تحدد بدورها آليات الظهور والوصول إلى الجمهور و رغم تنامي دور الإنتاج الآلي يؤكد البروفيسور بوزيان أنّ الإنسان لا يزال فاعلاً أساسيا في هذه العملية، باعتباره المسؤول عن برمجة هذه الخوارزميات وتحديد أولوياتها وفق أهداف ومؤشرات محددة . وفي المقابل، أشار إلى أنّ الآلة أصبحت الفاعل الأبرز في المستويات التنفيذية الدنيا، خاصة بالنسبة للمستخدم العادي الذي يفتقر إلى القدرة على التحكم في هذه الخوارزميات، ما يجعله في موقع المتلقي الخاضع لمنطقها. ومع ذلك، يظل العقل البشري قادراً على ابتكار حلول تمكّنه من التفاعل الذكي مع هذه التكنولوجيات لخدمة أهدافه.

كما يشير إلى أن المؤسسات الإعلامية باتت مضطرة إلى التكيف مع هذه البيئة الرقمية، سواء عبر إنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي واستثمار خوارزميات التوصية بشكل مجاني أو مدفوع (مثل الإعلانات الممولة)، من أجل تعزيز الوصول والتفاعل. غير أن هذه المنصات، رغم دورها الترويجي، تظل خاضعة لسياسات شركات دولية تتحكم في قواعد النشر وتوجيه المحتوى، ما يفرض على المؤسسات الإعلامية التوازن بين الاستفادة من هذه الأدوات والحفاظ على استقلالية رسالتها الإعلامية.
و في سياق متصل ، يرى نصر الدين بوزيان أنّ الخوارزميات يمكن أن تلعب دورا إيجابيا كمحفّز ومساعد، إذا تم التحكم فيها واستغلالها بوعي، لكنها قد تتحول إلى عامل سلبي إذا أسيء استخدامها. ويرتبط ذلك، بحسبه، بضعف ثقافة التربية الإعلامية لدى الجمهور، الذي يجد نفسه وفق العديد من الدراسات داخل «فقاعة معلوماتية» نتيجة تفاعلاته السابقة، ما يؤدي إلى تعرضه المتكرر لنفس نوع المحتوى.
كما يحذر المتحدث من التداعيات السلبية لسوء استخدام هذه الخوارزميات، حيث يمكن أن تتحول من أدوات دعم إلى عوامل تضييق معرفي، من خلال ما يُعرف بـ”الفقاعة المعلوماتية”، إذ يجد المستخدم نفسه محصوراً في نوع واحد من المحتوى نتيجة تفاعلاته السابقة، مما يؤدي إلى عزلة رقمية عن التنوع الثقافي والمعرفي. ويشير البروفيسور إلى أن هذا الانحصار قد يفرز آثاراً متعددة، منها تأثيرات نفسية مرتبطة بتكرار نفس المحتوى، وتأثيرات اجتماعية تتجلى في ضعف التواصل مع البيئة الواقعية، إضافة إلى تأثيرات اقتصادية وسياسية ناتجة عن تشكل وعي رقمي غير متوازن. كما قد يؤدي ذلك إلى نوع من الإدمان الرقمي على أنماط محددة من المحتوى، ما يعمق حالة الانفصال عن الواقع.لذلك يؤكد على أهمية تنويع مصادر المعلومات، باعتبار أنّ الإنسان يحتاج إلى الاطلاع على مختلف المجالات، من سياسة واقتصاد وثقافة، لتفادي الانغلاق المعرفي.
وختم البوفيسور نصر الدين بوزيان تصريحه بالتأكيد على أنّ الاستخدام الواعي والمتوازن للخوارزميات كفيل بتحويلها إلى أداة داعمة للعمل الإعلامي، بدل أن تكون عائقاً أمامه.
هبة رحايلية

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com