
تحوّل مشهد دراجات التوصيل النارية التي تجوب الشوارع، من مشهد عابر إلى ركن أساسي في الحياة اليومية للجزائريين، وبين مختصين يحذرون من تبعات الاستهلاك غير الصحي وآخرون يعتبرونها تهديدا للعلاقات الاجتماعية لدى بعض الأسر، تحول طلب الطعام من حتمية لمناسبة معينة، إلى ثقافة إستهلاكية يومية أعادت تشكيل مفهوم "الوجبات المنزلية".
نتقاطع معها يوميا على الطرقات، وفي الشوارع، وحتى أمام محلات وجبات الإطعام السريع، هي ليست أشخاصا بحد ذاتهم، بل هي مركبات صغيرة، سلسة الحركة، وسريعة التوفير، تتمثل في دراجات نارية متخصصة في توصيل الطعام، وهي ثقافة جديدة غزت المجتمع الجزائري، وغيرت من أسلوب حياته بشكل كبير، بعد أن فرضت نفسها كشريك في توفير الوجبات بشكل سريع ومتنوع.
إقبال قياسي
كنا بالقرب من إحدى محلات الأكل السريع بوسط مدينة بومرداس، كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة والربع ليلا، توقيت ربيعي كان يفترض أنه وقت النوم، إلا أن المشهد هناك بدا مغايرا تماما، حركية كثيفة وقرابة 15 دراجة نارية تصطف أمام المحل، وأصحاب البذلة الجلدية السوداء حاملون قبعاتهم الواقية يتزاحمون أمام من يقدم الطلبيات، مشهد بدا غريبا بالنسبة لنا، بينما شكل جزءا من يوميات مسيري ذلك المحل الذين قالوا أنهم عمال التوصيل التابعين للمحل، والذين يقومون بتوصيل الطعام للزبائن.
وأوضح أحد عمال المحل أن الإقبال يبلغ ذروته وقت الغذاء وليلا، بتسجيل طلبات قياسية يؤكد أنها ترتفع في ليالي فصل الصيف بشكل مضاعف، مضيفا أنها طلبيات من شباب وحتى من أسر تطلب وجبات سريعة وساندويتشات مع مشروبات، بينما قال أحد سائقي الدراجات إن النشاط يتكاثف ليلا خاصة على مستوى الولاية، مما يسهل مهمتهم في ظل نقص الحركة المرورية، ما يمكن من توصيل الطلبيات خلال وقت سريع ويضمن أن يتناولها أصحابها ساخنة، وهو ما أكده عامل المحل مشيرا إلى أنها وراء الإقبال المتزايد بحسب تعبيره، كما أكد أن الطلب يزيد ليلا وبشكل لافت، بحيث يبدأ من الساعة السابعة مساء، وأحيانا حتى الواحدة ليلا والثانية خلال فصل الصيف.
استثمار للتكنولوجيا سعيا للرفاهية
أما عن نوعية الزبائن الذين يتعاملون معهم، فأوضح محدثنا أنهم من مختلف الفئات والشرائح، من بينهم شباب يسهرون خارج البيت أو لدى أحد الأصدقاء، كما قد يكون تجمع لشابات وخاصة من شابات الجامعة القريبة، في حين تشكل العائلات أيضا جزءا مهما من الزبائن بحسب قوله، خاصة ممن اعتادوا ارتياد المحل ويفضلون أن تصل وجباته إلى بيوتهم بدل الإنتقال إليه.
وربما يشكل التطور التكنولوجي المتسارع أحد أهم العوامل وراء تزايد الإقبال على طلب توصيل الطعام للمنزل، فمع تزايد ساعات العمل والرغبة في إستغلال وقت الفراغ والراحة، أصبحت تطبيقات التوصيل تقدم حلا سحريا يتسم بالتنوع الكبير فيما يقدم، مع ضمان توفير الجهد وتجاوز عناء التسوق والطبخ وحتى تنظيف الأطباق، وهذا ما يريح الكثير من ربات البيوت سواء كن موظفات أو حتى ربات بيوت أتعبهن الوقوف لساعات في المطبخ، كما أن العروض الترويجية التي يتبناها أصحاب محلات الأكل كإستراتيجيات للتسويق تجعل من الطلب الخارجي أحيانا أوفر من المطبخ المنزلي.
* البروفيسور في علم الاجتماع عزيزة خلفاوي
تحولات اجتماعية واقتصادية في أطباق البلاستيك وعلب الكرتون
تقول البروفيسور في علم الاجتماع، عزيزة خلفاوي، إن سلبيات كثيرة تختفي خلف هذا البريق، بدأت آثارها بالظهور جليا على الفرد والمجتمع، فعلى الرغم من أن العملية قد تعطي الأم مزيدا من الوقت لمهامها الأخرى سواء في المنزل أو في تربية وتعليم الأبناء أو حتى للعمل خارج البيت، كما قد تمنحها وقتا أكبر للتواصل مع زوجها وأبنائها والعائلة.
إلا أنها تؤثر على العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة، خاصة وأن المطبخ كان قلب المنزل وطاولة الطعام أهم مكان يجمع شمل الأسرة في نهاية اليوم، معتبرة أن التوصيل قد يؤدي إلى تقسيم العائلة بحيث يطلب كل فرد وجبته الخاصة وفي أوقات مختلفة، بينما قد يعلم ذلك البنات الإتكال ويحرمهن من تعلم مهارات الطبخ التقليدي، كما يشكل عبئا ماديا خفيا نتيجة الإعتماد المستمر على التوصيل والذي يستنزف الميزانية.
تهديدات صحية بالجملة
من جانبها ترى أخصائية التغذية العلاجية، الدكتورة آغا آسيا، أن الاعتماد على خدمات التوصيل السريع للطعام وتناول الوجبات الجاهزة خيار شائع لدى الكثير من الأفراد، خاصة في الفترات المسائية، وهو النمط الغذائي والسلوكي الذي أكدت أنه يخفي خلفه آثارا صحية سلبية لا يستهان بها، موضحة أن الوجبات السريعة تعتبر غنية جدا بالدهون المشبعة والسكريات والملح، بينما تفتقر للعناصر الغذائية الأساسية كالألياف والفيتامينات، ما يجعلها عاملا مباشرا في زيادة الوزن، إرتفاع ضغط الدم، إضطرابات التمثيل الغذائي.
كما حذرت المختصة من أن الأمر يزداد سوءا عند إقترانها بقلة النشاط البدني، بحيث يوصل الطعام إلى البيت، ويؤدي الخمول إلى إنخفاض معدل حرق السعرات الحرارية، مما يعزز تراكم الدهون في الجسم، ويرفع من خطر إصابة الجسم بأمراض مزمنة، الأمراض الاستقلابية مثل داء السكري من النوع الثاني، أمراض القلب، كما أن تناول الأطعمة الدسمة في ساعات الليل المتأخرة بحسبها، يسبب إضطرابا في الساعة البيولوجية للجسم، ويؤثر سلبا على جودة النوم وعملية الهضم، فضلا عن مساهتمه في تخزين الدهون بدلا عن إستهلاكها.
وتشير الدكتورة آغا إلى أهمية الفترة الليلية التي يقوم فيها الجسم بإصلاح أعضائه، ويجب أن تكون فترة الراحة من الأكل ليلا، مؤكدة على ضرورة تناول العشاء بعد المغرب مباشرة، شريطة أن يكون طعاما خفيفا خاليا من السكريات والدسم حتى يساعد على إصلاح الجسم وأعضائه، داعية لتقليل الإعتماد على الوجبات السريعة والجاهزة، والحرص على التنوع وممارسة النشاط البدني، خاصة وأن الصحة لا تعد رفاهية، بل إستثمارا طويل الأمد كفيل بتفادي الكثير من الأمراض المزمنة.
أرقام صادمة وأثر بيئي مسكوت عنه
بينما تشير الإحصائيات الدولية إلى تسجيل تزايد في إقبال الأشخاص على طلب توصيل الطعام للمنزل، حيث تشكل نسبة الشباب الذين يطلبون ذلك 95 بالمائة من إجمالي عدد الزبائن، كما تكشف الأرقام عن نمو كبير في سوق خدمة توصيل الطعام عبر الإنترنيت عالميا، فاق التريليون دولار خلال سنة 2023، مع توقعات بتحقيقه عام 2029 إيرادات تصل إلى 1.85 تريليون دولار بحسب موقع "إستاتيستا" للإحصائيات.
أما من الناحية البيئية، فيغفل الكثيرين عما تخلفه هذه الثقافة من كميات هائلة من النفايات البلاستيكية وعلب الكرتون التي تستخدم لمرة واحدة، مما يشكل ضغطا كبيرا على البيئة ونظم التدوير، ومع أنه لا يمكن إنكار أن خدمة توصيل الطعام تمثل وجها من أوجه التطور، إلا أن الواقع يفرض توازنا بين مميزات عصر رقمي والحفاظ على العادات الصحية والإجتماعية السليمة الذي يشكل التحدي الأكبر لـ"جيل
التوصيل". إيمان زياري