* الجامعة بإمكانها أن تكون شريكا فعالا في صياغة سياسات السلامة المرورية
أجرى الحوار: عبد الحكيم أسابع
يرى نائب رئيس الفيدرالية الجزائرية للمستهلكين، محمد عبيدي، أنّ معالجة معضلة حوادث المرور في الجزائر تتطلب تجندا وطنيا شاملا، من خلال برنامج متكامل تُشرف عليه الدولة وتشارك فيه جميع القطاعات والمؤسسات، على أن يُحدد سقف زمني لا يتجاوز ثلاث سنوات لتقليص معدلات الحوادث المميتة والجسمانية بنسبة ملموسة، مقترحا إطلاق إذاعة وطنية خاصة بالسلامة المرورية مع الدعوة أيضا إلى استحداث تخصص جامعي في «علم اجتماع المرور» لدراسة الظاهرة بعمق واقتراح حلول عملية، فضلا عن الدعوة لاستحداث يوم وطني للوقاية.
كما يكشف الدكتور عبيدي وهو أستاذ القانون بجامعة عمار ثليجي بالأغواط، وعن رؤيته المتكاملة لإستراتيجية وطنية قادرة على إنقاذ الأرواح والتقليل من الخسائر البشرية والمادية.
النصر: دكتور عبيدي تتحدثون باستمرار عن ضرورة وضع استراتيجية وطنية قادرة عن الحد من إرهاب الطرقات الذي يودي كل سنة بحياة آلاف الأشخاص ناهيك عن الأعداد الكبيرة من المصابين، فضلا عن الخسائر الاقتصادية الكبيرة، فما هي أهم الحلول التي تقترحونها في هذا السياق؟
د.عبيدي: أعتقد أن الإعلام هو حجر الزاوية في أي إستراتيجية وقائية، إذ لدينا قوانين وتشريعات، لكن الوعي المروري يظل ضعيفا، لذلك أقترح إطلاق إذاعة وطنية متخصصة في السلامة المرورية تبث على مدار الساعة لتكون منبرا مباشرا للسائقين، خاصة سائقي الشاحنات والحافلات، من أجل تقديم نصائح آنية لهم، ومعلومات عن حالة الطرق، ورسائل تحسيسية دينية واجتماعية، و الفكرة أن تبث هذه الإذاعة 24 ساعة على 24، لتصبح رفيقا دائما للمواطن في تنقلاته، من خلالها يمكننا زرع ثقافة مرورية متواصلة بدل الاكتفاء بحملات موسمية.
وإلى جانب ذلك أقترح استحداث يوم وطني للتحسيس والوقاية من حوادث المرور، يمكن أن يتحول إلى أسبوع أو خمسة عشر يوما من الأنشطة المكثفة في المدارس، الجامعات، المساجد، وحتى الفضاءات العمومية، وأعتقد أن هذا اليوم سيكون مناسبة لإطلاق حملات وطنية كبرى تجمع الإعلام والجمعيات والمؤسسات الرسمية، بهدف ترسيخ الثقافة المرورية لدى المواطنين، فالإرادة وحدها لا تكفي، بل يجب أن نصنع من هذه المبادرات تقليدا وطنيا متجددا.
النصر: تؤكدون دائما على مستوى الفدرالية الوطنية للمستهلكين، على إشراك الإعلام والمدرسة والهيئات الدينية والأخصائيين في علم النفس والاجتماع، ما سر هذه المقاربة المتعددة الأطراف؟
د.عبيدي: لأن 96 بالمائة من الحوادث سببها العنصر البشري، أي السلوك، و السرعة، و التهور، والتسرع، وهي كلها عوامل مرتبطة بالوعي، ففي الأعراس مثلًا، تتحول الأفراح إلى مآتم بسبب ممارسات خطيرة، لذلك هنا لا تكفي الردعيات الأمنية وحدها، بل يجب أن يكون هناك عمل وقائي يغير السلوك من الجذور.
ومن دون شك فإن الإعلام يوجه، و المدرسة تربي، والمسجد يغرس القيم، والأخصائي النفسي والاجتماعي يساهم في فهم الدوافع السلوكية ومعالجتها، إذا استطعنا أن نوحّد هذه الجهود، سنحقق نتائج ملموسة.
النصر: أشرتم في أكثـر من مناسبة لأهمية تشديد شروط منح رخص السياقة للشباب، خاصة سائقي الحافلات، ما خلفية هذا الطرح؟
د.عبيدي: قيادة الحافلات والشاحنات مسؤولية كبيرة، ولا يمكن أن نمنحها لشاب في العشرين من عمره بلا خبرة كافية، لذلك أقترح ألا تقل السن عن 25 سنة، مع إخضاع السائق لتكوين معمق وشروط تأهيل محددة، بما في ذلك اللباس الرسمي الذي يرسخ الانضباط. النقل الجماعي مسؤولية حياة عشرات المواطنين، وبالتالي يجب أن نعامل سائقيه كإطارات مهنية لا كسائقين عاديين.
النصر: ما هي الحلول الأخرى التي تقترحونها كأستاذ جامعي وكخبير سيما بالبحث العلمي؟
د.عبيدي: لا يمكن أن نكتفي بالحلول التقنية أو الأمنية رغم أهميتها، باعتبار أن الظاهرة معقدة وتحتاج إلى دراسة علمية معمقة، لذلك أدعو إلى استحداث تخصص جامعي « علم اجتماع المرور»، يدرس الحوادث كسلوك اجتماعي، يبحث في جذوره ودوافعه، ويقترح حلولًا عملية قابلة للتنفيذ، فالجامعة يمكن أن تكون شريكا فعالا في صياغة سياسات السلامة المرورية، بدل أن تبقى الظاهرة موضوعا عابرا في البحوث الأكاديمية.
النصر: ما سقف الطموح الذي ترونه واقعيا لتقليص حوادث المرور؟
د.عبيدي: إذا استطعنا أن نتجند كدولة ومجتمع وفق برنامج وطني شامل، فأعتقد أن ثلاث سنوات مدة كافية لتحقيق انخفاض ملموس في الحوادث المميتة والجسمانية. هذا يحتاج إلى وضوح في الأهداف، متابعة دقيقة في التنفيذ، وتوزيع عادل للمسؤوليات بين مختلف الفاعلين.