الأربعاء 13 مايو 2026
Accueil Top Pub

في ذكرى الفتح الأعظم: العفو والتسامح والرحمة أكثر الدروس المستفادة من فتح مكة

يحتفي المسلمون في هذا اليوم العشرين من شهر رمضان بذكرى الفتح الأعظم فتح مكة المكرمة الذي حدث في السنة الثامنة للهجرة؛ مستلهمين منه دروسا وعبرا وعظات كثيرة ذات أبعاد تربوية واجتماعية وغيرها؛ ولا يتأتى هنا حصر كل تلك الدروس والعبر المستفادة من الفتح الأعظم لكننا سنقتصر على بعضها وفق ما يأتي:

(أولا) نصرة المظلوم: فقد أورد كتاب السير أن من أسباب هذا الفتح أن بني بكـر حلفاء قريش أغـاروا على خُزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ليلًا بمكان يقال له «الوتير»، فنقضت بذلك قريش العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين. فخرج رجل من خُزاعة يقال له «عمرو بن سالم الخزاعي» في أربعين رجلًا من قومه، وتوجَّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستنـصره، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال:
يا رب إني ناشد محمدا    *   حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا    *   ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا   *    وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا *      إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا   *    إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك الموكدا   *    وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا    *   وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا *    وقتلونا ركعا وسجدا
فلما انتهى قال له رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بْن سَالِمٍ، لا نصرني الله إن لم أنصُـرْ بني كعب))، ثُمَّ عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنَانٌ مِن السَّمَاءِ، فَقَالَ: ((إنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ))).
(ثانيا) التمكين بعد التقوى والصبر: فقد وعد الله تعالى المسلمين بالفتح المبين ووعدهم بدخول مكة آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون، ووعدهم بالتمكين في الأرض لدينهم ولدولتهم؛ فقال الله تعالى: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"
[ النور: 55]؛ وهو ما حدث في فتح مكة وما تلاها من أيام وأعوام؛ حيث وقف المؤمنون على تحقق وعد الله تعالى وهم يدخلون مكة المكرمة، ثم الطائف ثم يواصلون الفتوحات الإسلامية في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى بلغوا مشارق الأرض ومغاربها؛ لكن هذا التمكين الإلهي لم يأت دون تقديم أسباب وتضحيات؛ فقد قدم المؤمنون له ما يتطلبه من أسباب وشروط وعوامل؛ ومنها التقوى والصبر: وهي سنة الله تعالى فيمن سبق من الأنبياء والرسل وأقوامهم؛ فهذا يوسف عليه السلام يقول بعد أن مكنه الله وأصبح على خزائن مصر بعد رحلة عذاب وابتلاءات "إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]،و هي السنة ذاتها التي مضت في بني إسرائيل حيث قال الله تعالى: "قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"[ سورة الأعراف: 128]، فلا تمكين إلا بتقوى حقيقية لله تعالى تتجلى في سلوك صاحبها إيمانا وعملا صالحا، ولا تمكين إلا بصبر في طريق الدعوة يتجلى مظهره في تحمل الأذى الحسي والمعنوي، والاستعداد الدائم للجهاد والتضحية في سبيل الله تعالى؛ فبعد الابتلاء يأتي نصر الله تعالى وتمكينه.
(ثالثا) ضرورة إعداد العدة المادية والأدبية: وقد تجلى هذا من خلال أحداث الفتح ومختلف مراحله منذ التحضيرات الأولى بالمدينة المنورة وصولا إلى يوم الفتح؛ فقد أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم العدة البشرية الكافية بعشرة آلاف مقاتل مدججين بالسلاح والعتاد والفرسان مع تخطيط بشري كما تفتضيه أحداث تاريخية على هذا المستوى، حيث التكتم والمباغتة، وهذا هو المطلوب من المسلم فلا يمكن له أن يقدم على عمل عظيم ذي علاقة بالتمكين لدين الله تعالى ونصرته دون سابق إعداد ودون تقديم أسباب.
(رابعا) ظهور قيم العفو والتسامح والرحمة: وقد تجلى هذا في الموقف التاريخي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن دخل مكة واستولى على العباد والبلاد، الإنسان والجدران؛ حيث كان يمكنه أن يدخلها في أبهة الملك ويعبث بأهلها قتلا وتشريدا كما يفعل الغزاة المحتلون عادة عبر التاريخ؛ القديم والحديث؛ ولعل أبرز مثال لذلك ما فعله الاحتلال الفرنسي بالجزائريين يوم دخوله الجزائر العاصمة حيث يقول المؤرخون (قام الجنرال روفيغو بعد أن أحرق المصاحف بتحويل الجامع إلى إسطبل، وبعد أن قتل فيه من المصلين ما يفوق أربعة آلاف مسلم كانوا قد اعتصموا فيه احتجاجا على قراره تحويله إلى كنيسة في واحدة من ابشع جرائم الاحتلال الفرنسي، فسميت إلى اليوم بساحة الشهداء) ! وقد أشار القرآن الكريم إلى طبيعة بعض الملوك المستبدين الذين يقدمون على مثل هكذا أفعال لحظة غزوهم لمدن غيرهم؛ فقال الله تعالى على لسان ملكة سبأ "قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ"[ النمل: 34]؛ لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحذو حذو أولئك الملوك المستبدين بل دخل متواضعا شاكرا؛ قبل أن يظهر شيم العفو والتسامح التي رباه الله تعالى عليها منذ الصغر؛ حيث نقل علماء السير موقفه من قريش عندما سألهم: (ما ترون أني فاعل بكم ؟، قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: أقول كما قال أخي يوسف: ( قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين)َ [يوسف:92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء) ) رواه البيهقي )،
ففي لحظة تاريخية كهذه كان يمكنه أن ينتقم منهم ويثأر لما فعلوه به وبأصحابه من قبل تهجيرا قسريا وتشريدا وأذى وقتلا؛ لكنه آثر الصفح والعفو؛ ليقدم للعالم أجمع أنموذج القائد العظيم المتسامح وهو يعفو حيث يقدر على الثأر، لأنه يريد كسب القلوب لا كسب الرقاب، يريد لهؤلاء أن تسفك دماؤهم إن سفكت في سبيل الله تعالى بعدئذ اثناء الفتوحات الإسلامية؛ وقد سبق هذا العفو ترجيح كفة السلم على الحرب، ودخول مكة مسالما دون عنوة؛ بل تذكر بعض روايات كتب السير أنه بلغه أن أحد أصحابه قال: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله فيه قريشًا).
(خامسا) أداء الأمانات إلى أهلها: فقد روي عن مجاهد في قول الله تعال : ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها )) قال: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- مفتاح الكعبة، فدخل الكعبة يوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح، وقال: خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله، لا ينزعها منكم إلا ظالم.
ع/خلفة

فتح مكة و بِرُّ الأوطان
يعد فتح مكة المنعطف الأبرز في التاريخ الإسلامي، ليس لكونه نصراً عسكريا فحسب، بل لكونه إعلانا عالميا عن فلسفة –بِرُّ الأوطان– ففي هذا اليوم تجلت أسمى معاني الوفاء للجذور، وأثبت الإسلام أن الانتماء للأرض ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو قيمة أخلاقية ودينية تتطلب السعي للإصلاح والبناء.
لم تكن مكة بالنسبة للنبي -صلى الله عليه وسلم-مجرد إحداثيات جغرافية بل كانت «الوطن» الذي يختزل الذاكرة والهوية وإنّ لحظة وقوفه عليه الصلاة والسلام على مشارف مكة يوم الهجرة وقوله: «إنك لأحب بلاد الله إلي ولولا أنّ قومك أخرجوني منك ما خرجت». تضع حجر الأساس لمفهوم بِرّ الأوطان، هذا البر ليس ادعاء، بل هو حنين صادق يترجم إلى عمل، يعلمنا النبي -صلى الله عليه وسلم-من خلاله أعظم درس في التاريخ في بِرّ الأوطان، كما يعلمنا أنّ الوفاء لمكان النشأة يبدأ من استحضار الخير له. وعندما دخل النبي –صلى الله عليه وسلم-مكة فاتحا، لم يدخلها بروح المنتقم، بل دخلها مطأطئ الرأس تواضعا لله شاكرا له، وهنا نلمس جوهر بِرّ الوطن، فالبر يعني حقن الدماء، وحماية النسيج الاجتماعي، وتقديم المصلحة العامة على الثارات الشخصية من خلال شعار «اذهبوا فأنتم الطلقاء» حيث حوّل الخصوم إلى شركاء في بناء الوطن وتطهيره من المظالم، فأراد أن يعلمنا من خلال ذلك أنّ الأوطان لا تطعن مهما عقّتْ.
إن فتح مكة يخبرنا أنّ «الوطن» يستحق العودة، ويستحق التضحية، ويستحق الفتح بالسلام لا بالصدام وإنّ بِرّنا لأوطاننا هو امتداد لبرنا بأنفسنا وصلتنا بربنا. وإذا ما أردنا أن نُسقط قيم فتح مكة على واقعنا المعاش يتطلب منا الإصلاح بدلا من الانتقاد، فكما طهّر الفاتحون مكة من الأصنام، فعلينا اليوم تطهير أوطاننا من الأصنام المعنوية كالإحباط، والفساد، والاتكالية...الخ، وأن نرسي قيم العفو والتعايش فيما بيننا، فبناء الأوطان لا يتم إلا بقلوب سليمة.
إنّ بِرَّ الوطن ليس مجرد شعارات ترفع، بل هو مسؤولية أخلاقية ودينية تحتم علينا الحفاظ على مقدراته ونشر السلام في أرجائه، فكما جعل النبي –صلى الله عليه وسلم-من دخوله مكة فاتحة خير وأمان، علينا أن نجعل من علاقتنا بأوطاننا مسيرة عطاء لا تنقطع، وأن نمضي على نهج النبوة في التسامح والبناء والإصلاح.

قالوا عن فتح مكة

* محمد البشير الإبراهيمي
.. كل تلك الخلال النبوية الجليلة مما تهب به هذه النفحات وتثيره هذه الذكريات وتأتي المكرمة التي غطت على جميع المكارم، وهي منة على قريش كلها بعد أن أظهره الله عليهم وقوله لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وهذه هي التي تحقق شهادتهم فيه بأنه أخ كريم وابن أخ كريم، كلمة جبر بها كسر قريش، وكسر بها حدة الذين لا يشفي غيظهم على قريش إلا ضرب يزيل الهام عن مطيله. ولو أن انتقامه لهوى النفس لدامت قطيعة وجفاء، أما نفحة النفحات التي ما زالت تنعش المسلمين إلى قيام الساعة ويرفعون بها رؤوسهم فخرا وتيها، في وضع قاعدة المساواة التي مات الأنبياء والحكماء وفي نفوسهم حسرة من عدم تحقيقها في العالم الإنساني، إلى أن جاء بها الإسلام وأعلنها محمد صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة فقال: "يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب". أما تحطيم الأصنام التي حول الكعبة، فقد حطم مثلها أبوه إبراهيم الخليل، لكن محمدا صلى الله عليه وسلم طهر النفوس من الوثنية قبل أن يطهو وجه الأرض من الأوثان.

* الشيخ محمد الغزالي
"إن هذا الفتح المبين ليذكره بماضٍ طويل الفصول كيف خرج مطاردًا؟! وكيف يعود اليوم منصورًا مؤيدًا؟! وأي كرامة عظمى حفَّه الله بها في هذا الصباح الميمون؟! وكلما استشعر هذه النعماء، ازداد لله على راحلته خشوعًا وانحناء، ويبدو أن هناك عواطف أخرى كانت تجيش في بعض الصدور"

* ابن القيم الجوزية:
"هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس به في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا ".

آخر الأخبار

Articles Side Pub
Articles Bottom Pub
جريدة النصر الإلكترونية

تأسست جريدة "النصر" في 27 نوفمبر 1908م ، وأممت في 18 سبتمبر 1963م. 
عربت جزئيا في 5 يوليو 1971م (صفحتان)، ثم تعربت كليًا في 1 يناير 1972م. كانت النصر تمتلك مطبعة منذ 1928م حتى 1990م. أصبحت جريدة يومية توزع وتطبع في جميع أنحاء الوطن، من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

عن النصر  اتصل بنا 

 

اتصل بنا

المنطقة الصناعية "بالما" 24 فيفري 1956
قسنطينة - الجزائر
قسم التحرير
قسم الإشهار
(+213) (0) 31 60 70 78 (+213) (0) 31 60 70 82
(+213) (0) 31 60 70 77 (+213) (0) 6 60 37 60 00
annasr.journal@gmail.com pub@annasronline.com