
يُعدّ موضوع «حقوق المرأة في الإسلام» من أكثر القضايا التي شهدت جدالا حادا في العالم الإسلامي والغربي على حد سواء، فلا يخفى أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي اهتم بالمرأة وأكرمها وأنصفها وأعلى من قدرها، فوضع لها ميثاقاً عالمياً للحقوق المدنية والاجتماعية. يظهر ذلك في نصوص القرآن والسنة والتفسير والفقه. وقد ظهرت بعض الإشكالات الحديثة الناشئة من الخلط بين «الإسلام كنص ومعيار» و«المجتمعات المسلمة كواقع تاريخي». ومن من أهم حقوق المرأة في الإسلام ما يأتي:
(أولا). الحق في الكرامة الإنسانية
يظهر ذلك في المساواة في القيمة الإيمانية والثواب والعقاب: إذ يخاطب القرآن الرجال والنساء في أبواب الإيمان والعمل الصالح على حد سواء، لقوله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" فهذا يوضح أن “التمييز القيمي/الروحي” مرفوض، فلا تُختزل قيمة المرأة في كونها تابعة٬ بل هي مكلّفة ومستقلة ومسؤولة أمام الله. وقد كرّم الإسلام المرأة أُمّاً: فجعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وكرّمها بنتاً وأختاً: فجعل الجنة مكاناً لمن أحسن للبنات والأخوات، وكرّمها زوجة: فقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله٬ وأنا خيركم لأهلي».
(ثانيا). الحقوق المدنية/الشخصية
-حق المرأة في القبول والرفض في الزواج: فلا ينعقد النكاح شرعًا للثيّب إلا باستئمارها، ولا للبكر إلا بإذنها، وهو نصٌ أصيل في اشتراط الرضا ورفض الإكراه؛ يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ. قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وكيفَ إذْنُها؟ قالَ: أنْ تَسْكُت). وهذه القاعدة لها آثار فقهية عظيمة: منها بطلان أو قابلية فسخ الزواج عند انعدام الرضا وفق تفاصيل المذاهب.
-إنهاء ممارسات جاهلية تمتهن المرأة:من التحولات التشريعية اللافتة أن القرآن واجه بعض أعراف الجاهلية: مثل اعتبار المرأة “موروثة” ضمن تركة الرجل؛ فنصّ على عدم حلّ «وراثة النساء كرهًا» ونهى عن عضلهن لأخذ شيء من حقوقهن، وأمر بالمعاشرة بالمعروف٬ يقول تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف)).
-الحق في التعليم والحرية الفكرية: فللمرأة الحق في طلب العلم يؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وقد أجمع العلماء أن كل ما فرضه الله على عباده، فالرجال والنساء فيه سواء، وقد وصلت المرأة في صدر الإسلام إلى مرتبة عالية من العلم.أيضا للمرأة الحق في التعبير عن نفسها، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله٬ وما أمر الله لنبيه بأخذ البيعة من النساء مباشرة، إلا دليل على كونهن حُرات في إبداء آرائهن.
(ثالثا). الحقوق الأسرية الاجتماعية
-لهن مثل الذي عليهن: يقرر القرآن قاعدة معيارية في علاقة الزوجين: أن للمرأة من الحقوق مثل ما عليها من الواجبات «بالمعروف»، وقد شرح المفسرون هذه القاعدة باعتبارها ميزانًا عامًا للحقوق الزوجية، أي وفق العرف السليم والعدل والرحمة، لا وفق الأهواء.
-الأمر بالمعاشرة بالمعروف: يؤكد القرآن على المعاشرة بالمعروف بوصفها واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا: في قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، وأما في السنة النبوية فقد ورد توجيه جامع: «استوصوا بالنساء خيرًا…» (البخاري)، ويُستدل به في باب الإحسان في المعاشرة٬ وتجنب القسوة وسوء الفهم٬ لطبيعة الاختلافات النفسية بين الطرفين٬ حيث يبنى عليه في الفقه «باب العِشرة»، وفي الأخلاق «باب الإحسان»، وفي فقه الأسرة «رفع الضرر» عند ثبوت الإساءة.
(رابعا). الحقوق المالية
-المهر حق خالص للمرأة: يعد قوله تعالى: ((وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً)) من النصوص الصريحة في الأمر بإيتاء النساء مهورهن؛ فأثبتت أنه حق للمرأة لا يجوز انتزاعه منها.
-الحق في الميراث وحق الذمة المالية المستقلة:يقرر القرآن في قوله: ((لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ)) وهو أصل يُستفاد منه معنى استقلال الذمة المالية وعدم ذوبان ملكية المرأة في ملكية الرجل. وقاعدة (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)، ليست «تفضيلًا قيميًا» بقدر ما هو تنظيم مالي مرتبط بتوزيع المسؤوليات: كالنفقة الواجبة على الرجل. وهي ليست على إطلاقها٬ ففي فقه المواريث حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر أو تساويه أو ترث هي ولا يرث هو.
ختاما؛ يمكن القول إن الإسلام؛أسس مبادئه على العدل والإحسان بين الرجال والنساء في مختلف جوانب الحياة، وأكد على تساويهما في الواجبات والحقوق. وهذا راجع لشموليته وكماله، وعليه؛ فإن التعاليم الإسلامية الأصيلة، عندما تُفهم وتُطبّق بشكل صحيح، توفر إطاراً شاملاً لتمكين المرأة يوازن بين الحقوق والمسؤوليات مع الحفاظ على القيم الدينية الأساسية.
للموضوع مراجع
التحديات المعاصرة تستدعي تجديدًا في الخطاب والممارسة
رمضان فرصة لبناء الوعي النسوي وتجاوز بريق الاستهلاك
احتضنت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية سكيكدة عشية اليوم العالمي للمرأة ندوة دينية فكرية طرحت قضايا شرعية واجتماعية ونفسية ذات العلاقة بوظيفة المرأة، واقترحت لها حلولا في ضوء نصوص الشرع ومعطيات الواقع أطرتها الدكتورة كريمة سيليني بمداخلة بعنوان «رمضان وبناء الوعي النسوي: قراءة مقاصدية في أدوار المرأة»، والأستاذة المفتشة نادية بوصبع بمداخلة بعنوان «المرأة بين بريق الموضة وثبات القيم»،بتنشيط الأستاذة شافية بوسكين. وفيما يأتي قراءة في المداخلتين:
ينبغي إعادة توزيع الأدوار في ضوء مقاصد الشريعة

يعد شهر رمضان في السياق الإسلامي فرصة لإعادة بناء الإنسان روحيًا وأخلاقيًا ومعرفيًا. فليس الصيام مجرد امتناع عن المفطرات، بل عملية إعادة تشكيل للوعي، حيث يتجه الخطاب القرآني إلى بناء التقوى باعتبارها وعيًا أخلاقيًا منضبطًا بالقيم.غير أن الواقع الاجتماعي كثيرًا ما يختزل المرأة في أدوار خدمية خلال رمضان،بمنأى عن أبعاد مقاصدية أوسع لدورها الحضاري. فإلى أي مدى يمكن اعتبار شهر رمضان فرصة لبناء وعي نسوي رسالي من منظور مقاصدي، يتجاوز الاختزال العرفي إلى الفاعلية الحضارية، تدرك المرأة من خلاله لموقعها التكليفي ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية، ووعيها برسالتها في تحقيق الصلاح والإصلاح. وهو وعي تكاملي لا صراعي، يؤسس للشراكة لا للمغالبة؟
إن قوله تعالى:﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(البقرة: 183)يشير إلى أن الغاية المركزية للصيام هي تحقيق التقوى، أي الوعي الأخلاقي. ويظهر البعد التربوي لرمضان في:إعادة ترتيب سلم القيم، وتهذيب النزعات الاستهلاكية، وتعزيز البعد الجماعي في العبادة، ومن ثم فإن رمضان يمثل إطارًا زمنيًا مناسبًا لإعادة تعريف أدوار المرأة ضمن رؤية مقاصدية.ويتجلى الوعي النسوي في ضوء مقاصد الشريعة الخمسة من خلال:
(1)حفظ الدين: حيث تضطلع المرأة بدور محوري في بناء التدين الأسري، خصوصًا في رمضان حيث يتحول البيت إلى فضاء تعبدي. فالمرأة ليست مجرد مدبرة منزل، بل حاضنة للهوية الإيمانية.
(2). حفظ النفس: إذ يدعو المنظور المقاصدي إلى رفع الحرج وتحقيق التوازن. ومن ثم فإن إرهاق المرأة بعادات اجتماعية مفرطة يتنافى مع مقصد حفظ النفس.
(3).حفظ العقل: فرمضان شهر القرآن والعلم. ويقتضي الوعي النسوي مشاركة المرأة في حلقات العلم والتدبر، بما يعزز حضورها المعرفي.
(4).حفظ المال: ففي ظل النزعة الاستهلاكية، تصبح المرأة فاعلًا في ترسيخ ثقافة الاعتدال وترشيد الموارد.
(5).حفظ النسل: ويتجلى هذا المقصد في التربية الرمضانية للأبناء، حيث تسهم المرأة في تشكيل الضمير القيمي للجيل الجديد.
ويؤكد التاريخ الإسلامي أن المرأة كانت فاعلًا في صناعة الوعي: من خلال نماذج نسوية كثيرة؛ لاسيما عند أمهات المؤمنين؛ حيث تمثل خديجة بنت خويلد مثلا أنموذج الوعي الداعم للمشروع الرسالي. وتمثل عائشة بنت أبي بكر: أنموذج الوعي العلمي والاجتهادي. وتمثل أم سلمة: أنموذج الوعي الاستشاري الرشيد.
لكن ظهرت تحديات معاصرة أمام بناء الوعي النسوي في رمضان؛ ومنها: اختزال المرأة في الدور الخدمي. وتضخم النزعة الاستهلاكية والإعلامية. والفهم الطقوسي الضيق للعبادة. وضعف الخطاب الديني الموجه للمرأة بوصفها فاعلًا إصلاحيًا.
لذلك نقترح رؤية إصلاحية عملية تتوجه نحو: إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة وإشراك الجميع في الدور الخدماتي في رمضان وفي غيره. وتمكين المرأة علميًا وروحيًا. وتجديد الخطاب الدعوي بمنهج مقاصدي. وتحويل رمضان إلى مشروع سنوي لبناء الوعي الأسري.
ذلك أن بناء الوعي النسوي في رمضان ضرورة حضارية لتحقيق التوازن في العمران الإنساني. فالمرأة الواعية برسالتها قادرة على الجمع بين العبادة والإصلاح، وبين الروحانية والفعل الحضاري، في إطار مقاصدي يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الإنسان والمجتمع.
خارطة طريق للتوفيق بين بريق الأناقة وجوهر القيم
تواجه المرأة المعاصرة ومنها المرأة الجزائرية ظاهرة «التشييء»، حيث يتجلى الصراع القائم بين بريق المظهر (الموضة والاستهلاك) وجوهر المبادئ (القيم الروحية). وتتجلى بعض مظاهر ذلك في شهر رمضان وبعض المناسبات الخاصة بالمرأة حيث تبرز بعض التحولات السلوكية التي حولت المرأة من «مفكرة وصانعة حضارة» إلى «ماكينة استهلاك» تقع في فخ التباهي الرقمي.
ومن مظاهر ذلك ما يمكن أن نسميه «جنون الأواني الرمضانية»، حيث تحول اقتناء الأدوات المنزلية من حاجة وظيفية إلى أداة للوجاهة الاجتماعية (Prestige). وهذه الظاهرة تمثل «استعماراً جديداً» يُدار عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تساهم «المؤثرات» في غسيل دماغ بصري يربط السعادة الأسرية بتغيير الديكور. إن هذا الهوس بالتصوير (اللايكات) جعل من المطبخ «ستوديو تصوير» ومن البيت «معرضاً» يفتقد للسكينة، مما أدى إلى استنزاف مادي ونفسي يُغذي عقد النقص والمنافسة الصامتة بين النساء.
ولو أجرينا مقارنة تاريخية بين جيل الصحابيات كنموذج للثبات لوجدنا أن هناك مفارقة عميقة بين واقع «المرأة المستهلكة» ونموذج «الصحابيات». فبينما يغرق الجيل الحالي في «بريق الأشياء»، كان جيل الصحابيات (كالسيدة عائشة وأسماء بنت أبي بكر) يجسد «بريق الأثر». فالسيدة عائشة كانت زاهدة ففيما توزع الآلاف كانت ترقع ثوبها، مؤكدة أن القيمة الحقيقية تكمن في الاستعلاء على المادة وليس في امتلاكها. إن الصحابيات قدمن نموذجاً للزينة الباطنية (الحياء والعقل) والاهتمامات العمودية (بناء المجتمع)، بدلاً من الاهتمامات الأفقية التي تنحصر في «ماذا نلبس؟ وماذا نطبخ؟».
ويمكن هنا أن نقترح حلولا عملية قد تجسد خارطة الطريق وأداة النجاة وتأديب النفس. ومنها:
-جرد «خزانة البركة ‹›: بإعادة اكتشاف الأواني المنسية في البيت لتحقيق التجديد النفسي بصفر دينار.
-قاعدة الـ 48 ساعة: كبح «الحفزة الكيميائية» للشراء عبر الانتظار يومين للتفريق بين «الحاجة الحقيقية»و» الوهم الاستهلاكي».
-فلسفة القطة الواحدة: التركيز على البركة واللمسة الجمالية البسيطة بدلا من تكديس الاطقم كاملة.
تحويل «طاقة الشراء» إلى «طاقة عطاء»: تحويل ميزانية التفاخر والكماليات إلى «صدقة جارية» أو قفف رمضانية للعائلات المعوزة، لتحقيق لذة العطاء بدلاً من لذة الامتلاك.
-كسر ثقافة القطيع: التوقف عن المسايرة لمجرد التقليد، والاعتزاز بالأصالة والقدرة على إدارة الميزانية بذكاء.
-ثقافة الإعارة والتبادل: كسر روتين المائدة عبر التبادل بين الأخوات والصديقات ٫ تعزيزا للروابط الاجتماعية بدلا من الإرهاق المادي.
وفي الختام يمكن القول إن الأناقة الحقيقية هي «معادلة بين الجوهر والمظهر»، وأن قيمة المرأة لا تُقاس بما تملكه من ماركات أو أوانٍ، بل بما تحسنه من فكر وأثر. إن بريق الموضة يتلاشى ويزول، لكن ثبات القيم هو الذي يبني البيوت٫ ويحفظ الهوية ويصنع وعي المرأة الجزائرية كوارثة للصحابيات لا مجرد مستهلكة للسلع.