
لم يكن الخوف من الإسلام وريث 11 سبتمبر، بل امتداده عميق في التاريخ الغربي، كما لم يكن من الممكن تصحيح عقيدة التثليث من قبل عقيدة التوحيد، ليمر من دون جدل المفاهيم ومناوشة بشرية سيعقبها حتما الصراع والحرب، هو لقاء الإسلام والمسيحية الذي فارق نهج حوار، قد ينتهي إلى كلمات السواء بين المسلمين وأهل الكتاب.
سيرا مع التاريخ تحوّل العداء ضد الإسلام إلى الخوف منه، فتلبس الرهاب مفاصيل الرؤية الغربية، ليتحوّل إلى ظاهرة عالمية ومنطق إعلامي محكم شامل، يدجن الوعي ويقدم قراءات تقدح في الإسلام، فيزيد في تعميق النزعة العنصرية وكره الآخر. لقد اتخذ الرهاب من الإسلام، بعدا كونيا، بعد أفول الإمبراطورية الحمراء، لتجد الإمبراطورية الباقية، مبررا لصياغة عالم يحي على الصراع والإقصاء.
هكذا شكلت الإسلاموفوبيا قاطرة التبرير ومجال للقدح الحضاري، عبر دلالات مواكبة من قبيل صراع الحضارات ونهاية التاريخ، لتؤكد ضرورة الصراع كمحرك استراتيجي، سيؤدي الإسلام قطب العداء الأول باعتباره دين عنف وتخلف، المؤمنون به يشربون بول الإبل، لا يمتلك مقومات الانسجام مع الحداثة، الفكرة قديمة رددها قساوسة ودافعت عنه الكنائس بشراسة، وسيوسعها المستشرقون، الذين عملوا مستشارين في وزارات المستعمرات.
تعبر الإسلاموفوبيا عن بعد استراتيجي تميز بالمد الامبراطوري الأمريكي، وحروب مزدوجة ساخنة تبينت في حربي العراق وأفغانستان، وناعمة عبر حروب ثقافية شاملة على قيم الإسلام وتاريخيه، طالب الغرب بضرورة تكييف الإسلام مع قيم الحداثة، والنزعة الاستهلاكية المفرطة بتداعياتها النيوليبرالية.
يرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن الإسلام يعيش أزمة وجودية حقيقية، لأنه مصاب بالعجز أمام المتغيرات الإنسانية، وعليه اتخذت فرنسا التدابير اللازمة لنفي الظاهرة الإسلامية من الفضاء العام، عبر حرب خطابية سياسية وإعلامية ضد الإسلام رموزه، المساجد، الحجاب، التدين بوجه عام،فلماذا الخوف من الإسلام والحرب عليه؟ لماذا تحول هذا الخوف إلى ظاهرة كونية يحيا على أناتها الغرب؟لماذا يحكم الرهاب الصلة بين الغرب والإسلام؟
الغرب والإسلام -حكاية النفي
يتشرب التاريخ الغربي كره الإسلام منذ بداياته الأولى، ولأن العقيدة تغدو في كل أمة ظاهرة لاشعورية وقيمة وجودية، فإن انزال المسيح( عليه السلام) عن عرش الألوهية عبر برنامج تصحيحي يؤكد إنسانيته ووحدانية الله، سيعد لحظة حاسمة في التاريخ الغربي، فما تبينه سورة المائدة، هو حالة توضيحية حاسمة أصابت الديانة المسيحية الرومانية في مقتل، و قلبت الطاولة على معتنقي التثليث، بهذا يتخذ الإسلام صورة هرطقة ونسيج مفبرك من أحداث التوراة والإنجيل، فكرة تتكرر دائما إلى الراهن، الإسلام عقيدة كتبها محمد (صلى الله عليه وسلم) على منوال العقائد اليهودية المسيحية، لتعبر الإسلاموفوبيا عن جرح نرجسي يهز الذات الغربية.تاريخيا ركز الوعي الغربي على نفي صدقية الإسلام، قديما أكد صفرونيوس بطريرك القدس الموقف نفسه،فالعرب المسلمون أبناء إسماعيل،وتجلي لرجسة الخراب،أما يوحنا الدمشقي فتأثيره كان فاصلا لا يزال يتردد لحنه، فالإسلام هرطقة ونسخة مشوهة عن المسيحية،موقف أعاد صياغته توما الإكويني، ليسري متخفيا في خبايا الوعي الغربي.
بعد انقضاء الحرب الباردة، اتخذ العداء على الإسلام، صيغة عولمية تؤيد منطق الإمبراطورية وتجعله راجحا، الإسلام يساوي الإرهاب،ليستبطن الوعي الغربي الرهاب من الإسلام كظاهرة عامة، تلك هي لوازم الحرب الاستعمارية التي تلت الحرب العالمية الثانية، تعاضد رغبة الهيمنة على العالم الإسلامي، الذي يمثل للغرب خطرا كبيرا، فالقيم الإسلامية تشجب القيم الغربية في صيغتها الحديثة، والإسلام دين عالمي وبعده الإمبراطوري واضح في مكونه الأصلي، إنه يمتلك من الإمكانات ما يجعله يزاحم الغرب بثقله المهيمن، حيث تفرض الرأسمالية تحطيم كل القيم المناقضة لمنطقها، ويمد بآليات توزيع الثروة لكي لا تكون دولة بين الأغنياء.
تبدو روح النفي المميز للوعي الغربي ضد الإسلام، سارية المفعول عبر خطابات تتعدد، فقد استبطن الاستشراق، موقف يوحنا الدمشقي، فالإسلام دين محمد، صاغه عبر تسلل غير مخفي في جسد النص الديني توراتيا ومسيحيا، تتردد الفكرة فيما يصطلح عليه تاريخية القرآن، وقد جعلتها مدرسة الحوليات الفرنسية، منطقا موصولا بالمناهج العلمية المعاصرة، يخفي في طياته الفكرة نفسها، إذ لا تخلو كتابات وفيديوهات جاكلين شابي من خبايا العداء اتجاه الإسلام، وقد تحول إلى الدرس المركزي للاسلامولوجيا، ففي اعتمادها على مناهج العلوم الإنسانية تحدد الغاية، إنها التفكيك اللغوي والأنثروبولوجي للقرآن، ليكون في نهاية الأمر نظاما تاريخيا موصولا بأنثروبولوجيا الجزيرة العربية.
الإسلاموفوبيا –رهاب اجتماعي من الإسلام
يتركب مصطلح الإسلاموفوبيا، من دلالتين: الإسلام، والفوبيا التي تعني الرهاب، في القاموس الفرويدي يعد الرهاب عرض مرتبط بالأعصاب، حيث ينصب القلق على شيء ما، قد يشمل المشاعر والأحاسيس كالخوف، القلق، بل حتى النفور والرفض، لقد تشكلت الإسلاموفوبيا في الغرب لتعبر في فرنسا مثلا عن نفور غريزي، وعداء غير عقلاني اتجاه المسلمين ملأ البلاتوهات الإعلامية، بجدل حول الإسلام ونبيه، وغرابة من رموزه التي لا تنسجم وقيم الجمهورية الفرنسية.
تحمل الإسلاموفوبيا شحنة إيديولوجية، متجذرة في التاريخ الاستعماري، هل حافظ المصطلح على معناه الأول؟ أم تغير في دلالته؟ هل انتقل من الازدراء للسكان الأصليين، ليشكل نظام من الممارسات السياسية والخطابات اتجاه الإسلام؟
يحيل إدوارد سعيد إلى التركيبة العضوية لازدراء الإسلام، مشيرا إلى الصلة الجامعة بين البنية الامبريالية للغرب الرأسمالي وغريزة الهيمنة، التي لم تكن تقتصر على ضم الجغرافيا، إنما تجلت في شكل الخطاب، وسيكشف إدوارد سعيد عن الالتحام بين البنية الفوقية للثقافة والأخرى التحتية لرسم صورة الشرق التي ينتجها الغرب، ببيان الصلة الجدلية بين المعرفة والسلطة، فلم يكن الاستشراق خطابا علميا، بقدر كونه تجليا لمنطق صراع، الغرب ضد الشرق، ليمثل الإسلام موضوعا محددا يُرفع ضده العداء.
وعليه يؤكد ادوارد سعيد، أن الفهم الجيد للخوف من الإسلام،يتطلب دمج المعرفة بالقوة، ما يفسر التراتبية المعرفية التي أقرها الغرب. موقف تلون بألوان الامبراطوريات المتلاحقة، فمع انتصار الثورة الإيرانية توسعت ظاهرة كره الإسلام،وهي خطوة تبين جذور الإسلاموفوبيا بمنطقها المتفشي، هي حالة عداء استراتيجي، في هذا السياق يعترض المفكر الفلسطيني على منطق التغطية التي يؤدها الإعلام الأمريكي ضد الإسلام، إنه خطاب بسيط لم يستوعب البتة التعقد النمطي للإسلام.
الرهاب من الإسلام ونهاية التاريخ
ارتبط مصطلح الإرهاب بالإيديولوجيا الليبرالية، الشديدة الوصال ببنية النظام العالمي، الذي افترض أن الإسلام هو العدو الأول الذي يجب محاربته، في هذا السياق ارتسمت العلاقة بين كره الإسلام والإرهاب،عبر دول العالم وزادت حدته مع أحداث 11 سبتمبر، لقد خرجت الإمبراطورية الأمريكية المنتصرة لتصنف الجماعات، وتضع قوائم للخارجين عن القانون، في الوقت نفسه انبرى الإعلام لوضع قواعد الخطاب الذي يستبطن ضرورة الخوف من الإسلام، ليغدو مرضا غربيا متأصلا، ينشر صورة شديدة السلبية عن الإسلام كدين وثقافة بل و وجود بأسره. عموما لم تكن الإسلاموفوبيا ظاهرة منقطعة عن التاريخ الغربي، إنها مسار ممتد منذ لقاء الغرب بالإسلام، ويعد إنشاء إسرائيل كقاعدة عسكرية غربية، في قلب العالم الإسلامي وفي مكان مقدساته دليلا جازما على روح الإقصاء، التي يتميز بها الغرب اتجاه الإسلام والمسلمين.
الأمم المتحدة
كراهية الإسلام تقوّض حقوق الإنسان ومبادئ ميثاقها
أكدت الأمم المتحدة عشية الاحتفال باليوم الدولي لمناهضة الإسلاموفوبيا أن كراهية الإسلام تقوّض حقوق الإنسان التماسك الاجتماعي،وقالت عبر موقعها الرسمي إنه؛ ورغم أن التعصب والتمييز ضد المسلمين ليسا جديدين، فقد تفاقما في السنوات الأخيرة بفعل عوامل مثل ما يُسمّى بـ»الحرب على الإرهاب»، وانعدام الأمن الاقتصادي، وتزايد التنوع في كثير من المجتمعات. كما أسهمت بعض الخطابات الإعلامية والسياسية في تأجيج الخوف والاستياء عبر تصوير المسلمين كمتطرفين أو كتهديد للأمن. وتؤدي هذه الذهنية القائمة على «نحن ضدّهم»، إلى جانب محدودية الفهم الثقافي، إلى ترسيخ صور نمطية ضارة.ونتيجة لذلك، يواجه كثير من المسلمين أشكالا متعددة من التمييز، بما في ذلك الاعتداءات اللفظية والجسدية، والتنميط الديني، وعدم تكافؤ الفرص في العمل والسكن والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب قيود على ممارسة الشعائر الدينية علنا.
مؤكدة أن كراهية الإسلام تنتهك المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وذكرت بأن الأمين العام للأمم المتحدة، سبق له أن أدان مرارا أعمال الكراهية والتعصب ضد المسلمين وشدّد على أهمية قيام الحكومات بتعزيز التماسك الاجتماعي وحماية الحرية الدينية، وأن تعمل المنصات الإلكترونية على مواجهة خطاب الكراهية، وأن يتخذ الأفراد موقفا فاعلا ضد التعصب وكراهية الأجانب، وقال: "لنستأصل آفة كراهية الإسلام من كل بلد ومن كل مجتمع".

المبعوث الخاص للأمم المتحدة لمكافحة الإسلاموفوبيا يكشف
وقفت على "مدى الجهل الكبير الذي يسود العالم الغربي بالإسلام"
حذّر المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بمكافحة كراهية الإسلام ميغيل موراتينوس من التصاعد الملحوظ في أعمال كراهية الإسلام أو الإسلاموفوبيا في العالم، محذرا من أن الدين أصبح أداة في يد بعض الأحزاب والحركات السياسية التي تسعى وراء الاستقطاب. ووجه دعوة إلى بذل جهد جماعي للقضاء على كراهية الإسلام وقد صرح بذلك لأخبار الأمم المتحدة حسبما نشرته في موقعها قبل إحياء اليوم الدولي لمكافحة كراهية الإسلام.
وأشار إلى أن تصاعد الأعمال المعادية للإسلام في أوروبا «أمر في غاية الخطورة»، فضلا عن التنامي الملحوظ في مناطق أخرى من الغرب وآسيا وإفريقيا ومنطقة الساحل. وقال إن على بقية العالم أن يبقى متيقظا لهذه الظاهرة،وذكَّر بأهمية بناء مجتمعات سلمية جامعة كما ينص الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة، مبرزا أهمية الاستثمار في التعليم والتثقيف بشأن الإسلام الحقيقي، وقال إنه بعد انخراطه بشكل أكبر في هذا المجال بسبب مسؤوليته الجديدة كمبعوث خاص معني بمكافحة كراهية الإسلام اكتشف «مدى الجهل الكبير الذي يسود العالم الغربي بالإسلام. الناس لا يعرفون ما هو الإسلام. لم يقرأوا القرآن. بل هم متأثرون بخبراء ينتزعون سورا وآيات من سياقها، ثم يوظفونها في خطاب الاستقطاب السياسي»وقال إنه من هذا المنطلق، «نحن بحاجة إلى التعليم في المدارس، وتثقيف وسائل الإعلام، وتثقيف عامة الناس لأن هناك الكثير من سوء الفهم والتصور الخاطئ عن حقيقة الإسلام».قبل أن يكشف عن خطة أممية لمكافحة كراهية الإسلام «ستكون جاهزة هذا العام لعرضها». وقال إن الخطة ستركز على ما يأتي:
*فهم ما هي كراهية الإسلام، وما هي المعايير التي تحدد ما إذا كان عمل يمثل كراهية للإسلام أم لا.
*تحديد ما يجب فعله في مجال التعليم، وكيفية شرح الإسلام بشكل صحيح.
*أجهزة تنفيذ القانون، والتدابير التشريعية التي يتعين على كل دولة العمل عليها في هذا المجال.
*تحسين آليات الرصد.
وقال إن هذه الإنسانية متعددة ومتنوعة، وتضم ديانات وثقافات وحضارات مختلفة، ومنها الحضارة الإسلامية، و: "علينا أن نعيش معا، وعلينا أن نحارب أي نوع من التمييز، وفي هذه الحالة، أي عمل ضد الإسلام والمسلمين".