
تحيي الجزائر في السادس عشر أفريل من كل عام ذكرى يوم العلم وهو اليوم الذي أفضى فيه علامة الجزائر ورائد نهضتها الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس إلى ربه وأسلم فيه الروح الطاهرة إلى بارئها بعد مسيرة حافلة من العطاء والجهاد بالكلمة مع ثلة من إخوانه العلماء، ولا شك أنه وغيره من علماء الجزائر بل وعلماء الأمة الإسلامية قاطبة قد شخّصوا الداء الذي بسببه خسرت الحضارة الإسلامية حضورها الفاعل في ميادين شتى، وفُتح المجال أمام الحضارة الغربية لبسط نفوذها وسيطرتها على مكامن القوة في العالم بأسره وتقاسمت القوى الاستعمارية مناطق نفوذ الأمة من المحيط إلى الخليج وتمكنت من إمكاناتها وثرواتها ومواردها، بل وتعدت أطماعها إلى الموروث الثقافي والحضاري.
والسبب المباشر لهذا هو ابتعاد الأمة عن الأخذ بأسباب التمكين والشهود الحضاري ألا وهو العلم الذي جاء به التكليف الإلهي لسيدنا رسول الله صلى اله عليه وسلم مطلقا عن المكان والزمان ومصدر التلقي، بل ونوع التلقي جاء الفعل أو العامل مطلقا عن المعمول (اقرأ) ماذا يقرأ؟ ومتى يقرأ؟ وعند من يقرأ؟ وأين يقرأ. كل ذلك مسكوت عنه، المهم أن يقرأ باسم الله يقرأ مستحضرا قيمة التوحيد.
العلم الموصل إلى الله، المحقق لمنهج الاستخلاف ورسالة الإنسان الخالدة في هذا الكون عمارة الأرض في ظل العبودية الحقة لله تعالى، العلم الذي يكون وسيلة للإصلاح في الأرض وعدم الإفساد فيها: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) العلم الذي يُحرر الإنسان من الغطرسة والرغبة في الهيمنة وإحداث الدمار إفساد الكون.
فالعلم الذي يحرر العقل من الخرافة والنفس من الهوى، وينفع البشرية ولا يضرها ويرتقي بها إلى مصاف الآدمية ويجنبها مهاوي الردى، ومنزلقات الهيمنة والسيطرة التي تهوي بالإنسان إلى مدارك البهيمية هو العلم الذي دعانا الشارع الحكيم إلى تعلمه مهما كانت الوسيلة التي نتخذها للتعلم لأن الوسائل تأخذ حكم الغايات والحكمة ضآلة المؤمن مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم).فهذا طلب وأمر بصيغة الخبر وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أيها المسلمون رجالا ونساء اطلبوا العلم أين ما كان، وكيفما كان، وعند من كان. ولقد أدرك سلفنا الصالح هذه المفاهيم منذ اللحظات الأولى للبعثة فتعلموا اللغة العبرية في المدينة المنورة لأنها لغة التبادل التجاري بين اليهود، ولما فتح الله على المسلمين الأمصار مصر والشام والعراق وجدوا حضارات قائمة على علوم ومعارف شتى فأقبلوا على تلك العلوم والمعارف بالتلقي والترجمة والتعلم حتى فاقوا أصحابها إتقانا، وزادوا عليها بأن بنوا ما أفادوه على أساس التقوى وتوحيد الله، وسخروا ما استفادوه لخدمة البشرية والإنسانية جمعاء بعيدا عن التعصب العقدي أو الجنسي أو العرقي.
ولا شك أن المخاض الذي تعيشه الأمة اليوم يشي ببداية ميلاد دورتها الحضارية إن شاء الله تعالى،وما كان لها أن تشهد هذه التحولات الجيوسياسية لولا انطلاقاتها الحضارية في مجال العلم والمعرفة وهذا ليس من باب الإفراط في التفاؤل، بل هو الواقع فنهضة ماليزيا ونهضة تركيا وباكستان وإيران والجزائر بل وغزة في فلسطين وبعض الدول التي تشهد تحولات في مجال البحث العلمي وإنتاج التكنولوجيا دليل على ذلك. فصناعة كل ما تحتاجه الأمة من أدق احتياجات المأكل والمشرب والملبس والتداوي إلى أعلى مستويات الاحتياجات التي تصون بها الأمة حرماتها وتحافظ على أمنها واستقرارها هو من باب فروض الكفاية التي تأثم الأمة لو تركتها بالجملة، بل قد ترتقي هذه الفروض الكفائية إلى فروض عينية، وتأخذ الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق هذه الفروض الكفائية نفس حكمها من حيث الوجوب كوجوب تعاون أبناء الأمة على تحصيل هذه الفروض لقول الحق تبارك وتعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تتعاونوا على الإثم والعدوان).
أليــــــس الصبــــــــــــح بقريـــــــــــــــــب
كلتوم حسيني/ جامعة الأمير عبد القادر
أرسى الشيخ ابن باديس عليه شآبيب الرحمة والغفران، قواعد إصلاحية تحفظ الهوية الإسلامية، تبسط التعليم وتيسر طلبه على الناس، وتنقي الدين وتصفيه مما علق به من شوائب البدع والخرافات وتحارب حركات التبشير، كان رحمه الله ابن عصره فسعى لإصلاحه بما يتناسب مع رهاناته، ويوافقه في المبدأ الإمام ابن عاشور عندما تساءل في كتابٍ قِوامه ما يزيد عن مئتي صحفة، ‹أليس الصبح بقريب› عن دنو الإصباح
استفهامه هذا يؤسس لرؤية استشرافية لما سيؤول إليه مستقبل التعليم في العالم الإسلامي، وإن كان فيه لون من الاستنكار الضمني على ما كانت عليه الحال وقتذاك، خاصة في ظل الاستعمار وحالات الركود الفكري. غير أنه يعتبر دعوة جدية لسدِّ الثغور وإصلاح المنظومة التربوية، وهو ما يدعونا للتساؤل: أما زال الصبح بعيدا؟
كان رائد النهضة عبد الحميد بن باديس والعلامة محمد الطاهر بن عاشور جهابذة التاريخ الحديث، حيث أحسنوا استغلال العقول واستثمار طاقاتها في تثبيت الهوية، وإعادة هندسة التعليم بما يتوافق مع المنظومة التربوية الإسلامية. لهما الفضل فيما وصل إليه المجتمع من وعي وحضارة وصلاح، حيث كان التفكير في طرق إصلاح التعليم أكبر تحدٍّ خِيض في فترة كان للتجهيل الكلمة العليا.غير أن تلك التطبيقات التاريخية، تحتاج إلى إعادة قراءة لفقه الإصلاح، قراءة فحص وتمحيص، وبعد نظرٍ، لا الوقوف على تطوير في المناهج التعليمية فحسب، بل إعادة التفكيرٍ في فلسفة التعليم بحد ذاتها، فتحديات اليوم قد ترادفت أوجالها خاصة مع التطور الرهيب في وسائل وأدوات التعليم، حيث أضحى الاستخدام العشوائي للتكنولوجيا الرقمية مهددا للقيم والمبادئ التي سعى رجالات الإصلاح في وقت سابق إلى ترسيخها في النفوس لبناء واستمرار مجتمع إسلامي حضاري، فالأزمة الآن ليست أزمة تخلف وأمية، بل صارت أزمة وعي معرفي وتربوي، لأن ما أحدثه التطور السريع من قفزة علمية وتقنية قد يحدث فجوة عميقة بين فهم الواقع وكيفية إصلاحه، إذ ساهمت الخوارزميات في إنتاج فائض من المعرفة، وهيمنت عليها ووجهتها الوجه التي تريد، مما يعني تشكيل الوعي وتأطيره عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي. وهذا مؤداه في النهاية إلى استلاب الإنسان والتحكم فيه. مما يخلق مشكلة حضارية لها عُلْقَة بكيفية توظيف التكنولوجيا.
ومن هذا الملحظِ؛ وجب أن تكون الدعوات الإصلاحية أشد وقعا وأكثر جدية، ويكون السعي إلى إصلاحٍ يهدف إلى بناء إنسان واعٍ رقميا وأخلاقيا، متشبعٍ بالهوية. عن طريق الاجتهاد الرقمي بإدماج الوسائط الذكية في العملية التعليمية، وتعريب التقنية، تعزيز أدوات الفهم والنهوض بمهارات العقل من خلال تحفيزه على التدبير والتفكير النقدي ليساعد على تشكيل الوعي بمنأى عن طغيان الإرادة الرقمية. والتأكيد على التعبئة الثقافية بتفعيل التراث وتأصيل المرجعية الشرعية، فوجب أن تكون الدعوة الإصلاحية الحديثة إصلاح علاقة الإنسان بالمعرفة، وتفعيل الرقابة على كل ما ينتجه الفضاء الرقمي، والتعايش معها وتوظيفها، وإنتاج المعرفة العقلية لا الاكتفاء باستهلاكها، وضبطها بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لكن؛ لا ينكر ظهور بوادر وعي جديدة داخل المؤسسات الأكاديمية التي فهمت هذا التحول ومحاولة التفاعل الجدي معه، من خلال بعض البحوث العلمية تنظيرا وتأصيلا وتطبيقا، وهي خطوات مشجعة، لكن الطريق لايزال طويلا إلى سد الخّلة بين التنظير الأكاديمي والتطبيق الفعلي.
ختاما؛ يبقى الإصلاح سُنَّة لا تَخْلَقُ، مما يتيح الإجابة على تساؤل عمره عقود ويبعث على القول: بلى، إن الصبح أقرب.
دعــــــــــوة للتصـــــــــــــــدي للإشاعـــــــــــــــــة الإلكترونيـــــــــــــــــــــــــة
أكد أساتذة وباحثون أن الإشاعة الإلكترونية واقع مفروض ينبغي الاعتراف بحضورها وتوجيه الاهتمام نحو فهمها والتعرف على عوامل انتشارها وتوحيد الجهود للحد منها، وذلك بتفعيل دور الأسرة والمدرسة والمسجد في زرع القيم لدى الناشئة وتحسيسهم بخطورة الاستعمال السلبي للوسائط الإلكترونية.
وفي توصيات توجت ملتقى وطني حول الإشاعة الإلكترونية والأمن الاجتماعي، شارك أساتذة باحثون وقطاعات مختلفة على غرار: الأمن الوطني-الدرك الوطني. بادرت إلى تنظيمه كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة محمد الصديق بن يحيى بجيجل بالتنسيق مع مخبر علم النفس والتربية وقضايا المجتمع رأى المشاركون أن تعزيز التعاون بين مؤسسات المجتمع وتفعيل دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية التوعوي كآلية للتصدي للشائعات بكل أنواعها، أضحى ضروريا لنشر الوعي الرقمي وتعزيزه، ولتعزيز الوعي المجتمعي من خلال تبني استراتيجية وطنية شاملة للتثقيف الإعلامي والرقمي، وتكريس مفهوم المسؤولية الجماعية والاجتماعية نحو هذه الظاهرة علاوة على وضع إطار قانوني وتنظيمي بغرض الرقابة على مختلف المضامين والتثبّت من صحتها.
المشاركون دعوا إلى الاستثمار في التعليم وتعزيز التربية الإعلامية في المناهج التربوية وبرامج التكوين الجامعية وعبر جميع المؤسسات الاجتماعية، وتعزيز مهارات التفكير النقدي والعقلاني خاصة لدى فئات المتعلمين لتمكينهم من التمييز والتيقُّن وعدم الانسياق وراء الشائعات. وتعميم ثقافة التثبّت قبل النشر بين المستخدمين أو فكرة: «دعها تتوقف عندك.» والحد من الفراغ المعلوماتي أو تقليص فجوته، وذلك بتفعيل دور وسائل الإعلام وإيجاد فضاءات رقمية آمنة للحوار والتعبير. وتعزيز استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين مهارات التحقق والتفكير النقدي.
داعين في الأخير إلى تشجيع الباحثين والأكاديميين على إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث حول الظاهرة وطنيا وعربيا.
ع/خ

دعوة مؤسسات الإفتاء عبر العالم إلى مواكبة نوازل حقوق الإنسان المعاصرة
دعا أساتذة باحثون المجامع الفقهية الإسلامية ومؤسسات الافتاء عبر العالم إلى مواكبة النوازل الحقوقية المعاصرة، بأحكام فقهية آنية تتصدى لها في حينها وبرؤى استشرافية تتحسب لكل جديد في مختلف قضايا حقوق الإنسان الطبيعية والمدنية، الفردية والجماعية؛ على مستوى الأسرة والمجتمع والبيئة، بما في ذلك رصد مستجدات حقوق الانسان في المجال البيوطبي والتقني والمناخي ووضع مدونات أخلاقية بشأنها مستمدة من الشريعة الاسلامية والقيم الانسانية المشتركة. وذلك إدراكا منهم لأهمية تطوير مقاربة متوازنة في معالجة قضايا حقوق الإنسان المعاصرة، تجمع بين الأصالة الشرعية والانفتاح الواعي على التحولات الدولية، بما يحقق فهماً رشيدًا للنصوص والمقاصد، ويعزز حضور المرجعية الإسلامية في النقاش الحقوقي المعاصر.
وفي توصيات انبثقت عن ملتقى وطني حول نوازل حقوق الإنسان في ظل التحولات الراهنة -مقاربة شرعية قانونية – بادرت إلى تنظيمه كلية الشريعة والاقتصاد بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة بالتنسيق مع مخبر البحث في الدراسات الشرعية ومخبر البحث في الدراسات القانونية والفقهية المقارنة عشية الاحتفال بيوم العلم شارك فيه أساتذة من جامعات وطنية مختلفة أوصى المشاركون بمعالجة نوازل حقوق الإنسان المعاصرة الواردة في المنظومة التشريعية الوضعية بشقيها المدني و الجنائي من خلال تأصيلها تأصيلاً شرعيًا منبثقًا من المرجعية الإسلامية، على اعتبار أن جزءًا معتبرًا من هذه النوازل قد تَشَكَّل في سياقات حضارية مغايرة، وبمرجعيات فلسفية وقانونية مختلفة عن البنية القيمية الإسلامية، وألحوا على تعزيز القراءات النقدية المنصبة على التراث الفقهي الإسلامي في إطار قراءة مقاصدية تجديدية، توازن بين النموذج الحضاري الإسلامي والتنظيم القانوني الحقوقي، المعاصر.
كما دعوا إلى ضرورة التصدي فكريا وتشريعيا للمفاهيم المغلوطة المستحدثة في منظومة حقوق الإنسان كالنوع الاجتماعي وحرية الشخص في التصرف على الجسد، ومن خلال تفعيل آليات متنوعة على غرار تعزيز أدوار الأسرة، ومؤسسة المسجد والإعلام، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية، والمجامع الفقهية، ودعم العمل الأكاديمي والبحثي الوطني والدولي الذي يتناول نوازل حقوق الانسان بمنظورها الشرعي والقانوني، بما يتيح تعزيز التبادل المعرفي بين الباحثين والخبراء من مختلف الدول، وإبراز الإسهام الحضاري الإسلامي في معالجة قضايا حقوق الإنسان، وترسيخ حضور المقاربة التكاملية بين الشريعة والقانون الشرعية القانونية في النقاشات الدولية الحقوقية.