
يحتفي العالم غدا باليوم الدولي للضمير بوصفه -حسب الأمم المتحدة-نبراسا يذكّرنا بالدور الجوهري للضمير في دفع النفوس إلى دروب السلم والصفح والاحترام المتبادل. وهو يوم ما أعلن عنه إلا ليوقظ فينا جذوة التأمل الأخلاقي، ويستحثّ فينا الرحمة، في زمن تشتدّ فيه الأزمات وتتقاطع فيه التحديات على امتداد الأفق.
فهو بذلك كله دعوة صادقة إلى شعوب الأرض قاطبة للتشارك في حوار يشفّ عن تعاطف، وسلوكيات تستبطن وعيًا، ومواقف تذود عن كرامة الإنسان، وتؤمن بأن التنمية الحقة لا تستقيم إلا على أساس من التعايش والوئام بين الثقافات، وتقدير للتنوع لا بوصفه تحديًا، بل مصدر غنى وثراء. وبهذا اليوم، تجدّد الأمم المتحدة توكيدها بأن لا سلام بلا ضمير، ولا عدالة بلا مسؤولية مشتركة، ولا إنسانية بلا تضامن. فبمثل هذه المبادئ تسمو الأمم، وتُشيّد معالم عالم أكثر تناغمًا، أعدل في جوهره، وأشمل في إنسانيته.
وهذه أهداف نبيلة ومقاصد سامية تتقاطع مع ما يدعو إليه الإسلام في نصوصه الشرعية من الكتاب والسنة وما انبثق عن اجتهادات المدارس الفقهية الإسلامية في تاريخ التشريع؛ حيث تستحضر قيم السلم والصفح والاحترام والتأمل الأخلاقي والرحمة والحوار والوعي والكرامة والتنمية والتعايش والوئام؛ ولا سلام بلا ضمير
لكن في عالم متغير كشفت الأحداث الفظيعة التي حدثت وتحدث على الأقل خلال الثلاث سنوات الأخيرة من سواحل غزة إلى جزيرة ابستين أن الحديث عن وجود ضمير إنساني عالمي مازال محض حلم أقرب إلى العالم الافتراضي منه إلى العالم الواقعي؛ فكل القيم السالفة الذكر التي تسعى الأمم المتحدة لتحقيقها من وراء الاحتفاء بهذا اليوم وإحياء الضمير الإنساني تجد لها ما يضادها في تلك الميادين وميادين أخرى متوترة سياسيا واجتماعيا وعسكريا؛ حيث يغتال السلام بفعل الحرب المدمرة خارج إطار الشرعية الدولية وخارج إطار القانون الدولي للإنسان، وتغتال الرحمة من قبل من لم يروا مانعا أخلاقيا أو قانونيا في نسف العمران وقتل الإنسان والإجهاز على النساء والأطفال قتلا واغتصابا وتعذيبا، وتمثيلا وتشويها، وتشريدا وتجويعا وترويعا وحصارا، ففي تلك الساحات وغيرها توارت كل تلك القيم على مرأى الإنسانية جمعاء، ومن تحركت ضمائرهم وهبوا في فعاليات عالمية لوقف المجازر ومحاسبة المجرمين لم تجد أصواتهم صدى بعد بما يكفي على مستوى الفاعلين العالمين الذين كان يفترض أن يكونوا العين الساهرة لتطبيق قوانين العدالة والسلام وفق مخرجات الضمير الإنساني.، وما تدعو إليه الأديان لاسيما الدين الإسلامي الجامع.
لقد سبق للأمم المتحدة أن أكدت يوم إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن الدافع لإصداره بما يحمله من آمال وتطلعات للبشرية هو يقظة الضمير الإنساني فقالت في أول فقرات ديباجة الإعلان (لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، ولما كان تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال أثارت بربريتها الضمير الإنساني، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة، كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم، ولما كان من الأساسي أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ألا يضطروا آخر الأمر إلى اللياذ بالتمرد على الطغيان والاضطهاد).
فهل توقظ الأحداث الجارية عالميا مجددا الضمير الإنساني فتتداعى الأمم إلى استصدار إعلان حقوقي واخلاقي جديدين بآليات ملزمة، ومؤسسات رادعة، أم أن الضمير الإنساني لم يتحرك بالشكل الكافي الذي يدفع لصدور مثل هكذا ميثاق، مادام الجلاد ينتمي بشكل أو بآخر للفضاء الغربي. ومادامت الضحية هذه المرة لا تنتمي بالضرورة إلى المجتمع الغربي الذي صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالأساس لخدمته أولا؛ حيث كانت يومها جل شعوب الشرق تحت وطأة استعمار كبار محرري الإعلان.
في انتظار ذلك ليس هناك ما يمنعنا من أن نساير الأمم المتحدة في حلمها الجميل الذي عبرت بمناسبة هذا اليوم حين قالت: (تخيلوا عالمًا تنبع فيه الأفعال من معين المحبة الإنسانية، ويهتدي فيه الناس بنور الضمير، ويُجلّ بعضهم بعضًا في وئام تتفيأ ظلاله الإنسانية كلها، لتبني عالمًا لا يُحتكم فيه إلى المصالح الضيقة، بل إلى شعور صادق بالحق والخير، ونكرانا للشر في كل صوره، وإحساس عميق بما هو خيّر وعادل ونبيل. وتلك هي ملامح ثقافة السلام، التي هي رؤية سامية تحتضنها الأمم المتحدة وتشدّد عليها المجتمعات العالمية بوصفها أملًا مشتركًا ومصيرًا منشودًا).
هل توقظ الأخوة الإنسانية الضمير العالمي
وقبل هذا هل تجد وثيقة الأخوة الإنسانية التي صدرت باسم المسلمين والمسيحين صدى لدى الرأي العالمي ليتحرك ضميره وتكون أرضية مشتركة نحو إعلان حقوقي عالمي جديد فيسعى لتحقيق القيم التي نادت إليها و التي تتقاطع كلها مع أهداف الاحتفاء بهذا اليوم، الوثيقة التي صدرت ‹باسمِ الله الَّذي خَلَقَ البَشَرَ جميعًا مُتَساوِين في الحُقُوقِ والواجباتِ والكَرامةِ، ودَعاهُم للعَيْشِ كإخوةٍ فيما بَيْنَهم ليُعَمِّروا الأرضَ، ويَنشُروا فيها قِيَمَ الخَيْرِ والمَحَبَّةِ والسَّلامِ.وباسمِ النفسِ البَشَريَّةِ الطَّاهِرةِ التي حَرَّمَ اللهُ إزهاقَها، وباسمِ الفُقَراءِ والبُؤَساءِ والمَحرُومِينَ والمُهمَّشِينَ الَّذين أَمَرَ اللهُ بالإحسانِ إليهم ومَدِّ يَدِ العَوْنِ للتَّخفِيفِ عنهم، وباسمِ الأيتامِ والأَرامِلِ، والمُهَجَّرينَ والنَّازِحِينَ، وكُلِّ ضَحايا الحُرُوبِ والاضطِهادِ والظُّلْمِ، والمُستَضعَفِينَ والخائِفِينَ والأَسْرَى والمُعَذَّبِينَ في الأرضِ، دُونَ إقصاءٍ أو تمييزٍ.وباسمِ الشُّعُوبِ التي فقَدَتِ الأَمْنَ والسَّلامَ والتَّعايُشَ، وباسمِ «الأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ» التي أرهَقَتْها سِياساتُ التَّعَصُّبِ والتَّفرِقةِ، التي تَعبَثُ بمَصائِرِ الشُّعُوبِ ومُقَدَّراتِهم، وأَنظِمةُ التَّرَبُّحِ الأَعْمَى، والتَّوَجُّهاتُ الأيدلوجيَّةِ البَغِيضةِ. وباسمِ الحُرِّيَّةِ والعَدْلِ والرَّحمةِ. وباسمِ كُلِّ الأشخاصِ ذَوِي الإرادةِ الصالحةِ، ثم دعت إلى تَبنِّي ثقافةِ الحوارِ، والتعاوُنِ، والتعارُفِ، وطالِبت المؤمنين أنفُسَهم وقادَةَ العالَمِ، وصُنَّاعَ السِّياساتِ الدَّولِيَّةِ والاقتصادِ العالَمِيِّ، بالعمَلِ على نَشْرِ ثقافةِ التَّسامُحِ والتعايُشِ والسَّلامِ، والتدخُّلِ فَوْرًا لإيقافِ سَيْلِ الدِّماءِ البَرِيئةِ، ووَقْفِ ما يَشهَدُه العالَمُ من حُرُوبٍ وصِراعاتٍ وتَراجُعٍ مناخِيٍّ وانحِدارٍ ثقافيٍّ وأخلاقيٍّ.
وكذا للمُفكِّرينَ والفَلاسِفةِ ورِجالِ الدِّينِ والفَنَّانِينَ والإعلاميِّين والمُبدِعِينَ في كُلِّ مكانٍ ليُعِيدُوا اكتشافَ قِيَمِ السَّلامِ والعَدْلِ والخَيْرِ والجَمالِ والأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ والعَيْشِ المُشتَرَكِ، وليُؤكِّدوا أهميَّتَها كطَوْقِ نَجاةٍ للجَمِيعِ، وليَسعَوْا في نَشْرِ هذه القِيَمِ في كلِّ مكان.
ع/خلفة.

التوبة المؤجلة!
* أ.شيماء حليمي
في ركن خفيٍّ من أعماقنا، نؤجل التوبة كما نؤجل كل شيء، نقول غدا.. حين تهدأ العاصفة، غدا… حين نكبر قليلا، غدا… حين نتعب من الذنب لكن «الغد» ذلك الوعد المؤجل قد لا يأتي، وقد يأتي… لا لنا فنحن نعيش على وهم التأجيل، بينما يعيش الموت على يقين المفاجأة.
بين «سأفعل» و«انتهى» تقف حياة كاملة قد تختصرها لحظة، وتطويها غفلة فالتوبة في حقيقتها ليست كلمة تقال، ولا دمعة تذرف، بل يقظة روح بعد سبات، وانكسار قلب بعد قسوة، ورجوع عبد أدرك أنه تأخر كثيرا، لكننا نُسوّف ونُؤجل الرجوع كأن الطريق مضمون، ونؤخر الاعتذار كأن الأجل مكتوب لنا لا علينا نؤجل التوبة، والتوبة تؤجلنا يا لها من مفارقة مؤلمة!
نخاف من مرض قد لا يأتي، ولا نخاف من موت يأتي بلا موعد، نستعد لمستقبل قد لا ندركه، ولا نستعد لآخرة نحن موقنون بها. كم من قلب قال: «سأتوب» فسبقته المنية، وكم من عين انتظرت دمعة الندم، فأغلقها الموت قبل أن تبكي وكم من روح وعدت بالعودة، فعادت… ولكن إلى الله.
الموت لا يستأذن، ولا يطرق الباب، بل يدخل فجأة كما يدخل الليل بلا ضجيج يقطع حبل الأماني، ويُسكت صوت «سأفعل» إلى الأبد وهكذا، لا نؤجل التوبة فقط بل نؤجّل الحياة الحقيقية، نؤجل صفاء القلب وراحة الروح، وتلك الطمأنينة التي لا تُشترى ولا تُستعار. فالذنب، وإن صغر، ظلّ؛ وإن تكرّر، قيد؛ وإن أُلف، صار وطنا من وهم. والتوبة، وإن تأخّرت، نور؛ وإن حضرت، حياة؛ وإن صدقت، نجاة.
بين التأجيل والتعجيل، بين الغفلة واليقظة، بين الذنب والتوبة… تُكتب مصائرنا في صمت، نقول: «ما زال في العمر متّسع»، ولا ندري أن المتّسع ربما قد ضاق، وأن الأنفاس وإن طالت معدودة، وأن الأجل وإن تأخر آت لا محالة. يا ابن آدم، إنما أنت أيام إذا ذهب يوم، ذهب بعضك، وإذا ذهب بعضك اقترب كلّك من النهاية، فإلى متى التأجيل؟ وإلى متى هذا الاطمئنان الكاذب؟ إلى أن يُقال: «قد مات»، ونحن لم نحسن بعد كيف نحيا؟
التوبة باب مفتوح… لكنّه ليس مضمون البقاء والرجوع طريق ممدود… لكن السائرين فيه قد لا يُمهَلون، فبادر قبل أن تُبادَر، وعُد قبل أن يُقال: «قد عاد إلى ربه»، وابكِ قبل أن يُقال: «ما نفع البكاء». فلا تغتر بحِلم الله فالحِلم إمهال لا إهمال، ولا تجعل من ستره عليك ستارا لغفلتك، فكم من مستور فُضِح حين ظنّ أنه نجا. بين وعدِ «غدا» وخطفةِ «انتهى»، تمضي الأعمار كظل عند الغروب يطول في أعيننا، ويقصر في ميزان الحقيقة نُمنّي النفس بالأوبة، ونُسوّف التوبة، كأن الزمان لنا لا علينا، وكأن الأجل يستأذن قبل أن يأتي. يا غافلا عن قلبه، وقد أثقلته الذنوب حتى صار كليلٍ بلا فجر، أما آن لهذا الليل أن ينقشع، ولهذا القلب أن يخشع؟ إنّ الطريق إلى الله ليس بطول المسافات بل بصدق الالتفات فرُبّ خطوة صادقة تسبق ألف خطوة متردّدة. فبادر قبل أن تُبادَر، وانتبه قبل أن يُكتب «انتهى» فإن الأعمار تُطوى طيَّ السجلّ، واللحظات إن مضت لا تعود، والباب وإن فُتح لا يضمن البقاء فاجعل من الآن توبة ومن الندم عبورا، قبل أن يصير الندم سجنا لا يُفتح بابه.