
تحي الأمة الإسلامية كسالف عهدها كل عام ذكرى عزيزة عليها ـ الإسراء والمعراج، إذ أن هذه الحادثة شكلت حدثا محوريا مفصليا في تاريخ الدعوة الإسلامية لما فيها من الدلالات والعبر في إطارها الزماني والمكاني.أما بعدها الزماني فقد كانت في العهد المكي زمن الاضطهاد والمحن ولم يكن للإسلام دولة وقوة تحميه ولا حلفاء يشدون عضده. فكانت هذه الرحلة معجزة.
إذ لا شك إن للتوقيت دلالة عظمى حيث كانت الحادثة زمن الاضطهاد والمحن والابتلاء، كان أخر صور تلك المحن محنتي الطائف وما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العنت والشدة والمحنة، وفقد الأنصار والسند بموت السيدة خديجة رضي الله عنها وموت عمه أبي طالب ورغم كونه كافرا إلا أنه كان سندا ونصيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.فكانت الإسراء والمعراج منحة إلهية وإيذانا بقرب الفرج والعز والتمكين، وكانت في هذا التوقيت العصيب امتحانا وابتلاء للمؤمنين ليتميز راسخ الإيمان الواثق بوعد الله لعباده المؤمنين من خبثت نفسه وضعف إيمانه واهتزت ثقته بوعد الله.
وأما البعد المكاني فاختيار الله لبيت مقدس مسرى لرسول الله في رحلة خارج قوانين المادة وبعيدا عن عالم الأسباب والسنن الكونية فيها من العبر والدلالات الكثير ، حيث إن المسجد الأقصى المبارك هو ثاني مسجد بني بعد المسجد الحرام بنص الحديث النبوي الشريف فكما أن المسجد الحرام بناه سيدنا إبراهيم بمعية سيدنا إسماعيل، فكذلك المسجد الأقصى المبارك بناه سيدنا إبراهيم بمعية سيدنا إسحاق عليهما السلام على مذهب بعض العلماء، ومن ثم كانت الرحلة المعجزة ترابطا عقديا بين المسجدين أساسه التوحيد الذي دعا إليه إبراهيم الحنيف الموحد .
ولقد ظلت هذه الراية راية التوحيد بيد الفرع الإسحاقي من ذرية سيدنا إبراهيم حيث جعل الله فيهم النبوة والملك لما كانوا على طريق الحق وسبيل الهداية، متصدرين المشهد الحضاري وقيادة الأمم والشعوب، إلا أن نكوصهم على الطريق وتنكبهم جادة الصواب وخضوعهم للشهوات والأهواء أفقدتهم تلك المكانة والصدارة وجعلهم عرضة لسنة الاستبدال.لقد أصبح الفرع الإسماعيلي من ذرية إبراهيم عليه السلام ممثلين في أمة العرب التي منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أجدر باستلام الراية وتصدر المشهد الحضاري في الأمم والشعوب، والأقدر على تجسيد سنة الاستعمال وحمل تبعاتها.
ولقد تناولت سورة الإسراء هذه السردية التاريخية لانتقال المشهد من أمة بدلت وغيرت إلى أمة كانت أجدر لسلامة فطرتها واستعدادها للقيام بالمهمة الرسالية، فكتب الله على بني إسرائيل الإفساد والعلو في الأرض بعد العز والتمكين، فاستحقوا بذلك العقاب وهي سنة كونية كتبها الله على كل أمة وحضارة: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا}. كانت عقوبة الإفساد الأول السبي البابلي على يد بختنصر، ثم رد الله لهم الكرة وأمدهم بالأموال والبنين والقدرة على الاستنفار وهو ما نراه الآن في الكيان الصهيوني وقدرتهم على استنفار العالم غربيه وشرقيه وإخضاعه لسرديته ولكن السنة الإلهية تقول {فإن عدتم عدنا}، ولهذا اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل آخر حلقات الصراع بين الحق والباطل صراع المسلمين مع اليهود وفي أرض فلسطين دون غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم {لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله} وقوله صلى الله عليه وسلم :{خير رباطكم عسقلان}
وها نحن نشهد في عصرنا هذا حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، بين الطائفة المنصورة وأعدائها وحلفائهم.
هذه الطائفة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ولعدوهم قاهرين لا يضرهم من خذلهم} قالوا صفهم لنا يا رسول الله: {قال في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس}. ولقد شهد هذا الصراع سلسلة من الحروب في العصر الحديث،من بداية القرن إلى طوفان الأقصى، وفي كل جولة كانت الغلبة للعدو يأخذ يغتصب الأراضي ويقتل الأبرياء ويسفك الدماء وينتهك الأعراض والحرمات، ولكن شاء الله تعالى أن يتصدر الجهاد طائفة من المؤمنين المخلصين الذين لم يضرهم المرجفون والمناوئون أن الجهاد شرع رغم ما في ظاهره من المفاسد والتضحيات، ولكن لا عبرة لها بمقابل العزة والكرامة والحرية والتمكين وسيادة الدنيا وقيادة العالم وهي من أكبر المصالح المرجوة والمقاصد المنشودة، ولو اعتبرنا مقولة هؤلاء المرجفين لما تحررت أوطان ولما سادت الأمة، ولظل الاستعمار في الأوطان العربية والإسلامية ومحيت آثار الأمة ولاستؤصلت شأفتها واندثر عمرانها وانمحى دينها وحضارتها. والشواهد التاريخية أكبر مثال من لدن الفتوحات الإسلامية وإلى يوم الناس هذا، فالتضحيات تتواصل مع كل المخلصين إلى أن تتحرر الأوطان ويعود الأقصى ثالث الحرمين يستقبل الزوار والحجيج المسلمين كما كان.
اليوم وقد وضعت الحرب أوزارها ظاهرا، إلا أن العدو ما زال يخطط ويدبر لتنفيذ خططه وتحقيق أهدافه المعلنة وبصراحة، وما نشهده من اقتحامات وسياسة تهويد القدس، وتوسيع الاستيطان الصهيوني وممارسات طقوس تلمودية و خاصة في ظل هذه الحكومة اليمينية المتطرفة، على الأمة ألا تركن إلى الراحة والدعة وتنسى قضيتها المركزية، وتتغافل عن خطط العدو ومشاريعه الهدامة في القدس والضفة وغزة ويكون نضالنا وجهادنا على جميع الأصعدة بالتوازي والله من وراء القصد.
ع/م
قالوا عن الإسراء والمعراج
حكمة الرحلة إلى بيت المقدس
إن هذا يرجع بنا إلى تاريخ قديم، فقد ظلت النبوات دهوراً طوالاً وهي وقف على بني إسرائيل، وظل بيت المقدس مهبط الوحي، ومشرق أنواره على الأرض، وقصبة الوطن المحبب إلى شعب الله المختار.فلما أهدر اليهود كرامة الوحي وأسقطوا أحكام السماء، حلت بهم لعنة الله، وتقرر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد! ومن ثم كان مجيء الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم انتقالاً بالقيادة الروحية في العالم، من أمة إلى أمة، ومن بلد إلى بلد، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل.وقد كان غضب اليهود مشتعلاً لهذا التحول، مما دعاهم إلى المسارعة بإنكاره؛ لكن إرادة الله مضت وحمَّلت الأمة الجديدة رسالتها، وورث النبي العربي تعاليم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقام يكافح لنشرها وجمع الناس عليها، فكان من وصل الحاضر بالماضي وإدماج الكل في حقيقة واحدة أن يعتبر المسجد الأقصى ثالث الحرمين في الإسلام، وأن ينتقل إليه الرسول في إسرائه.ثم يجمع الله المرسلين السابقين من حملة الهداية في هذه الأرض وما حولها ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة. وفي السنة الصحيحة أن الرسول صلى بإخوانه الأنبياء ركعتين في المسجد الأقصى فكانت هذه الإمامة إقراراً مبيناً بأن الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى خلقه، أخذت تمامها على يد محمد بعد أن وطّأ لها العباد الصالحون من رسل الله الأولين.

لم يكن الإسراء مجرد حادث فردي بسيط رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات الكبرى، وتجلى له ملكوت السموات، والأرض مشاهدة، عيانا؛ بل – زيادة إلى ذلك – اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان دقيقة كثيرة، وشارات حكيمة بعيدة المدى فقد ضمت قصة الإسراء، وأعلنت السورتان الكريمتان اللتان نزلتا في شأنه «الإسراء» و«النجم»: أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو نبي القبلتين، وإمام المشرقين والمغربين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال بعده، فقد التقت في شخصه، وفي إسرائه مكة بالقدس، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى، وصلى بالأنبياء خلفه، فكان هذا إيذانا بعموم رسالته، وخلود إمامته، وإنسانية تعاليمه، وصلاحيتها لاختلاف المكان والزمان، وأفادت سورة الإسراء تعيين شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف إمامته، وقيادته، وتحديد مكانة الأمة التي بعث فيها، وآمنت به، وبيان رسالتها ودورها الذي ستمثله في العالم، ومن بين الشعوب و الأمم.
الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي
إن في الاقتران الزمني بين إسرائه عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس والعروج به إلى السماوات السبع لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند الله تعالى، وفيه دلالة واضحة أيضا على العلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله عليهما الصلاة والسلام، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدين الواحد الذي ابتعثهم الله عز وجل به. وفيه دلالة على ما ينبغي أن يوجد لدى المسلمين في كل عصر ووقت من الحفاظ على هذه الأرض المقدسة وحمايتها من مطامع الدخلاء وأعداء الدين، وكأن الحكمة الإلهية تهيب بمسلمي هذا العصر أن لا يهنوا ولا يجبنوا ولا يتخاذلوا أمام عدوان اليهود على هذه الأرض المقدسة وأن يطهروها من رجسهم ويعيدوها إلى أصحابها المؤمنين.
الاحتلال اقتحم الأقصى 280 مرة ومنع الأذان 769 مرة بـ«الإبراهيمي» خلال 2025
أفاد تقرير سنوي لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، نشرته مؤخرا بأن المستوطنين اقتحموا المسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة 280 مرة خلال العام 2025، في وقت منعت فيه سلطات الاحتلال رفع الأذان في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية 769 مرة خلال العام نفسه.
واستنادا لوسائط إعلامية فقد أوضحت الوزارة، في التقرير الخاص بـ»انتهاكات الاحتلال على المقدسات الإسلامية والمسيحية خلال العام 2025،أن ممارسة المستوطنين للشعائر التلموديّة خلال اقتحاماتهم المسجد الأقصى أصبحت يومية،و ذكرت منها «السجود الملحمي،النّفخ بالبوق، ارتداء ثياب الصّلاة».وأضافت أن تكرار تلك الممارسات في مكان محدّد وفي أوقات محددة يعد «تكريسا واضحا للتقسيم الزماني والمكاني» للمسجد تحت إشراف وحماية شرطة الاحتلال.
صدى المنابر
دروس وعبـــــــــــــر من الإســــــــــــــراء والمعــــــــــــــــــــــــــــراج
يا أيها المؤمنون،
لقد شاءت حكمة الله تعالى أن يكرم نبيه صلى الله عليه وسلم بمعجزة عظيمة، جمعت بين الأرض والسماء، وبين عالم الشهادة وعالم الغيب، إنها معجزة الإسراء والمعراج، قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
أيها المسلمون،لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد حدث تاريخي يُروى، بل كانت مدرسة إيمانية، ومشاهد تربوية، ورسائل خالدة، أراد الله بها أن يوقظ القلوب، ويصحح المسارات، ويبين سننه في الأفراد والمجتمعات.
أيها المؤمنون،إن هذه المشاهد دعوة صريحة لمحاسبة النفس، وتصحيح السلوك، والرجوع الصادق إلى الله، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
فيا عباد الله، إن من أعظم دروس الإسراء والمعراج أن الصلاة فُرضت في السماء، لتكون معراج المؤمن في الأرض، فمن حافظ عليها حفظته، ومن ضيعها ضاع، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ.
كما تؤكد هذه الحادثة مكانة المسجد الأقصى، وارتباط الأمة به، ووجوب نصرته والدفاع عنه، فهو أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بدينكم، وكونوا قدوة في أقوالكم وأعمالكم، وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيكم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.
اللهم انصر المستضعفين، وأصلح أحوال المسلمين، واجعلنا من المحافظين على صلاتنا، القائمين بحدودك، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
موقع وزارة الشؤون الدينية والأوقاف