
تحيي الأمة الإسلامية اليوم ذكرى غزوة بدر الكبرى في ظروف مختلفة؛ وهي تعيش حروبا فوق أرضها وتستهدف أبناءها منذ العدوان الصهيوني على غزة قبل أكثر من عامين
إلى اليوم في ظل هذا التمادي؛ وكأن الأمة المسلمة لا صديق لها ولا قانون يحميها؛ ما يجعلها أكثر حاجة لاستلهام دروس وعبر من غزوة بدر الكبرى تكيّفها حسب ظروفها وتجعل
منها سننا في تحقيق انتصاراتها.
فغزوة بدر هي أولى الغزوات في العهد الإسلامي حيث شرع الله تعالى الجهاد للمسلمين فكانت فاتحة الانتصارات للمسلمين وكانت بحق فرقانا كما سماها القرآن الكريم وتأكدت من خلالها أركان الدولة المسلمة الفتية، ولا شك أن انتصار المسلمين في هذه الغزوة يتطلب منا الوقوف المتأني لمعرفة عوامل النصر وأسباب التمكين رغم اختلال موازين القوى بين الطرفين، وهذه الدروس يمكن للمسلمين الإفادة منها في كل حقب التاريخ من منظور سنني:
(أولا): أرادوا العير وأراد الله النفير: لقد كانت وجهة رسول الله صلى الله عليه وصحابته الكرام قافلة أبي سفيان التجارية العائدة من الشام لعلهم يستعيضون عن بعض ما تركوه وراءهم في مكة المكرمة، ولكن القافلة نجت بحيلة ودهاء أبي سفيان، وخرجت قريش مستشيطة غضبا، وقد استنفرت قبائل العرب فلو استولى المسلمون على القافلة لما كانوا في نظر القبائل العربية سوى قطاع طرق أو صعاليك كما تدعي قريش، ومن ثم تطالب زعماء المدينة بوجوب تسليمهم وإرجاعهم إلى المدينة. ولعل المعركة مع الاستعمار والصهيونية يجب أن تتحدد فيها أهدافنا وغاياتنا ومقاصدنا في التحرر والانعتاق وإنهاء المشاريع المهددة لوحدة المسلمين.
(ثانيا): الشورى الملزمة في حياة المسلمين فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الصحابة ويقول }أشيروا علي أيها الناس{ فتكلم أبوبكر وعمر وعثمان وغيرهم من المهاجرين وقالوا خيرا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ظل يقول أشيروا علي أيها الناس فقال سعد بن معاذ وهو أحد سادة الأنصار: كأن تعنيننا يا رسول الله؟ قال نعم: قال امض حيث أمرك الله والله لو خضت بنا البحر لخضناه معك، ولا نقول لك ما قالت اليهود لموسى ((اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)) فتهللت أسارير رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان نزوله عند رأي الحباب بن المنذر في النزول أمام ماء بدر مظهرا من مظاهر تطبيق الشورى والعمل بها وهو ما يوحد الصف ويجمع الشمل، ويوحد الكلمة ويرفع الهمة، ويدفع للنصر ومناجزة العدو.
(ثالثا): الإعداد و الاستعداد: لقد أعد رسول الله صلى الله عليه للمعركة وحضرها تحضيرا جيدا من حيث تقسيم الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب وكان صارما في الأوامر والتوجيهات للصحابة الكرام. وهذا عملا بقوله تعالى }وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم{. وهذا واجب المسلمين في كل مناحي حياتهم وخاصة في مجال المواجهة العسكرية مع أعدائهم، لأن ذلك من باب العمل بالسنن الكونية التي لا تحابي أحدا ولو كان نبيا من الأنبياء. فالأمة التي لا توفر قوتها ولا تصنع ملبسها وسلاحاها تكون لقمة سائغة لأعدائها والشواهد التاريخية أكبر دليل على ذلك.
(رابعا) الدعاء والتضرع والتذلل: الدعاء والانكسار والتذلل بين يدي الله تعالى والتبرؤ من الحول والقوة وعدم التعلق بالأسباب والتعوال عليها ونسبة الفضل لها هو سر النجاح والتوفيق، ولهذا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الإعداد المحكم والاستعداد الجيد للمعركة لجأ إلى عريش بني له وطفق يدعو ويلح في الدعاء والرجاء وهو يقول
}اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعدها أبدا{. وقد رفع يديه الشريفتين حتى ظهر بياض إبطيه مما جعل أبابكر يشفق عليه قائلا: }لن يضيعك الله{. وهو ما فعله الصحابة أيضا لقوله تعالى:}إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ{.
(خامسا): التأييد الإلهي لعباده المؤمنين: بعدما استفرغ الجهد والوسع في عالم أسباب الأرض تدخلت العناية الإلهية والرعاية الربانية فجاء المدد الرباني والغوث الإلهي: }إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ{.فالنصر من عند الله تعالى وحده، وليست الأسباب المادية المحسوسة إلا وسائل يجب تحصيلها على وجه الاستطاعة. وقد أسفرت الغزوة عن انتصار المسلمين }وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ{ ومقتل سبعين رجلا، واسر مثلهم؛ وكان للأسرى عبرة في تاريخ المسلمين استلهمت منه بعض مبادئ القانون الدولي الإنساني المعاصر، كما دل اشتراط النبي صلى الله عليه وسلم تعليم الأسرى لعشرة من المسلمين كمقابل للفداء على اهتمام النبي صلى الله عليه بالعلم والتعليم في حياة الأمة.
(سابعا): الغنائم الدرس التربوي البليغ: ترك كفار قريش غنائم تنافس المسلمون عليها فقال المهاجرون هي لنا، وقال الأنصار هي لنا، فترافعت الأصوات فنزل قول الله تعالى: }يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ{ درس تربوي: إياكم والتنافس على لعاعة الدنيا فلئن سقطت أيتها الصفوة الطاهرة الشاهدة على البشرية في الامتحان الأول أمام سقط المتاع فكيف بكم غدا لما تفتح عليكم الدنيا وأنتم المؤهلون لقيادة المشهد الحضاري بعد سقوط الإمبراطوريات المعاصرة لكم، فهل سيتكرر النصر مرة أخرى في ضوء سنن بدر الكبرى.

غزوة بدر.. قراءة في السنن الربــــــانيـــــــــــــــة
تُعد غزوة بدر نقطة مفصلية في التاريخ الإسلامي، فهي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين فئتين، بل كانت تجسيدا حيا لعمل السنن الربانية التي لاتتبدل ولا تتغير ومنها:
(1). سنة النصر والتأييد الإلهي: فغزوة بدر لم تكن قصة سيوف فقط بل قصة إيمان سبق السيوف، اختل فيها ميزان القوة المادي، ولكن لم يختل ميزان اليقين فكان النصر من عند الله، ولم يكن هذا النصر وليد لحظة بل ثمرة تربية استمرت 13 سنة في مكة، صبر على الأذى، وثبات على الدعوة وتزكية للقلوب، جيل صُنع على عين الوحي، وتخرَّج من مدرسة القرآن ولذلك قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ليعلمنا أن العبرة بقوة الإيمان لا بعدد السلاح.
وفي بدر كان الدعاء والتضرع عنوان الموقف، وقف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بدر يناجي ربه، يمد يديه ويقول (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) حتى سقط رداؤه من على منكبيه، إنها لحظة استفراغ الوسع في الأسباب ثم تسليم القلب لرب الأسباب، فلما استكملت الأمة أسبابها، جاء مدد السماء، قال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) فالسنن الغيبية لا تنفصل عن السنن العملية بل تتنزل عليها. فبدر علمتنا أن النصر يبدأ من الداخل، من يقين القلوب، من وحدة الصف، من وضوح الهدف، فإذا توحدت إرادة الأمة، سقطت أوهام التفوق المطلق.
(2). سنة الابتلاء والتمحيص: فالأزمات تكشف المعادن، وفي كل مواجهة كبرى يظهر الصف على حقيقته، وفي ساعة الشدة ينقسم الناس صفين، صف يزداد إيمانا وثباتا، وصف يتردد ويتخاذل، وسنة التمحيص ماضية، قال الله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ). فبدر كشفت الصادق من غيره، وكل مواجهة كبرى تعيد المشهد، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
(3). سنة التقوى والصبر والثبات: فالتقوى ليست انعزالا عن الحياة، بل هي وعي بالله في قلب المعركة، وثبات على المبدأ في ساعة الشدة، هكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر، تقوى بالله وطاعة لرسول الله وصبر على الجراح والآلام، وثبات أمام الحرب النفسية، ويقين بنصر الله تعالى، فالطليعة المؤمنة الصادقة هي التي تصنع التحول التاريخي، 300 رجل غيّروا مجرى أمة، لم ينتظروا اكتمال الظروف، بل صنعوا الظروف بإيمانهم، وكان انضباطهم وتقواهم وصبرهم وثباتهم وصمودهم وطاعتهم سراً من أسرار النصر.
وهكذا فإن الأمة إذا عادت إلى ربها، وربّت أبناءها على الإيمان الواعي، ووحدت صفها وأحسنت إدارة واقعها، فإن السنن الربانية تمضي لصالحها متى استوفت شروطها. فبدر ليست ذكرى تروى كل عام فقط بل هي منهج حياة، وسُنّة نصر، فمنها بدأت المسيرة، ومن قرأ سنن الله رأى قرب الفرج في رحم الشدة.
المسلمون مطالبون باكتساب أسباب القوة
إعداد العدة وعدم الغفلة عن الأسلحة أهـــم عوامــــل النصـــــــر
اختبر الصحابة الأوائل في غزوة بدر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بامتحان النصر فوقفوا على شروطه وعوامل تحقيقه من خلال آيات القرآن الكريم التي تنزلت قبيل وأثناء وبعد المعركة؛ وشروط النصر وعوامله حسب تلك الآيات كثيرة؛ لكن لعل أبرزها هي إعداد العدة.
وتسليم المسلم بعقيدة أن النصر من عند الله تعالى لا يعني أبدا الركون والتواكل والذهاب إلى المعركة دون عدة مادية ونفسية؛ فذاك أمر يأباه الإسلام؛ لأن المعارك العسكرية مثل معترك الحياة تخضع نتائجها لأسباب وشروط مسبقة؛ وقد رأى الفقهاء أن المواجهة قبل العدة لا تجوز ما لم يباغت المسلمون بذلك وتفرض عليهم المعركة فرضا من قبل عدوهم؛ لذلك قال الله تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ"،و"قوة" هنا جاءت نكرة في سياق الإثبات لتفيد العموم؛ بمعنى أن المسلم مطالب بإعداد أي قوة تناسب المعركة حسب مقتضيات الزمان والمكان والحال؛ لأن وسائل الحرب والقتال تختلف باختلاف الأزمنة فكان الأمر بها مطلقا دون تقييد لنوع منها؛ فهي في تطور مطرد عصرا بعد عصر؛ برا وبحرا وجوا؛ حتى دخلنا عصر الدبابات والطائرات والصواريخ؛ ثم العصر النووي والعصر السيبراني، والمسلم مطالب باكتسابها حتى يكون في مستوى تحديات عصره وعدوه؛ ولئن روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا إن القوة الرمي) فهذا لا يعني اقتصارها على ذلك بدليل أنه صلى الله عليه وسلم تسلح بالرمي و غيره، كما أن الرمي يبقى السلاح الأكثر فتكا وتأثيرا في المعارك إلى الآن؛ بل أضحى السلاح الأوحد تقريبا على اعتبار أن القتال الفردي رجلا لرجل لم يعد موجودا في جل الحروب، فلا سبيل للمواجهة إلا بالرمي (القذف)؛ سواء كان رميا من الأسلحة الفردية أو رميا من الدبابات أو رميا من الطائرات أو رميا من الغواصات أو رميا بالصواريخ؛ بل إن التحكم في أسلحة العدو من بعيد تكنولوجيا هي ضرب من ضروب الرمي.
وقد حذر القرآن الكريم المسلمين من التغاضي عن التسلح بما تقتضيه العدة فقال الله تعالى: "وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً" فغفلة المسلمين عن التسلح بما يقتضيه العصر وترك غيرهم يتسلحون بأرقى الأسلحة وأكثرها فتكا وتطورا سيجعلهم فريسة للاستعمار ويجعل ثرواتهم ومقدراتهم الطبيعية والبشرية عرضة للنهب؛ ولا أدل على ذلك مما وقع عشية الاستعمار الغربي الحديث لديار المسلمين بعد أن تراجعت قوتهم العسكرية البحرية.
وبعد إعداد العدة ألزم الله تعالى المقاتلين المسلمين بجملة آداب وصفات ينبغي التحلي بها في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا [1] اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [2] وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".
ع/خلفة