يعد الإيثار فضيلة خلقية رفيعة ذات بعد نفسي واجتماعي رغب فيها الإسلام وجعلها من مراتب الإحسان؛ لما لها من آثار تربوية حيث يفضل المرء غيره على نفسه في منافع دنيوية يكون التنافس عليها عادة شديدا لارتباطها بمصالح الخلق وحاجات الناس وضروريتهم وكماليتهم؛ بيد أن هذا السلوك الأخلاق لا يعني أن يتنازل المرء في كل حال وحين لغيره بل يحكم الإيثار مجموعة من الضوابط والقواعد بما يجعله مثمرا ولا يرتد سلبيا على صاحبه
وقد عرف الإيثار بأنه (تقديمُ الغيرِ على النَّفسِ في حُظوظِها الدُّنيويَّةِ؛ رَغبةً في الحُظوظِ الدِّينيَّةِ وتنويها بأصحاب هذا الخلق الفضيل قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الحشر: 9]،
والإيثار يتعلق بالأساس بالمصالح الدنيوية التي يقع حولها التزاحم أما المصالح الأخروية والتعبدية فلا إيثار فيها كما قرر ذلك الفقهاء؛ فمن فاز في قرعة حج مثلا وهو لم يحج فلا يؤثر غيره عليه لأن الحج واجب في حقه والإيثار هنا لا يصلح،
لذلك قال ابن القيم في مدارج السالكين عن الإيثار: (إنه على ثلاث درجات. الدرجة الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينا. ولا يقطع عليك طريقا، ولا يفسد عليك وقتا، والدرجة الثانية:إيثار رضا الله على رضا غيره.والدرجة الثالثة. إيثار الله)،
وقال الفقهاء المسلمون إن الإيثار وإن كان مستحبا إلا أنه تعتريه أربعة أحكام فقد قسمه بعضهم ومنهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: وهو الممنوع: وهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعًا، فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعًا، فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل لأنه يستلزم إسقاط الواجب عليك. والقسم الثاني: وهو المكروه أو المباح:فهو الإيثار في الأمور المستحبة، وقد كَرِهَه بعضُ أهل العلم، وأباحه بعضهم، لكن تركه أَولى لا شك إلا لمصلحة. والقسم الثالث وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحبًّا، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبُّدي؛ أي تؤثر غيرك وتقدِّمه على نفسك في أمر غير تعبدي) وقال ابن القيم إنما يعين على الإيثار ثلاثة أشياء: تعظيم الحقوق، ومقت الشح، والرغبة في مكارم الأخلاق).
فهو منزلة رفيعة يسعى المسلم للارتقاء بها في سلوكه مع الناس؛ فيكون في مرتبة المحسنين لكن وفق الضوابط سالفة الذكر؛ فليس كل تفضيل للغير على النفس يعد إيثارا.
ع/خلفة

سنن الصيام وآدابه (2)
7 -الإكثار من فعل الخيرات
ينبغي على الصائم أن يحرص على الإكثار من أداء الطاعات وفعل الخيرات، خصوصاً في شهر رمضان، ومن هذه الطاعات: قيام الليل والاعتكاف وذكر الله وقراءة القرآن والتصدق وجميع النوافل، فعن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة» (رواه البخاري ومسلم).
8 - ما يقوله الصائم إن سابه أحد أو قاتله
ينبغي على الصائم أن يترفع عن جميع المعاصي الظاهرة والباطنة، ومن مراتب الصيام خطورة أن يصوم المسلم عن المباحات ويقع في المحرمات أثناء صيامه، فينبغي على الصائم أن لا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله يقول له: (إني صائم)، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» (رواه البخاري ومسلم).
9 - ما يفعله الصائم إذا دعي إلى طعام
إذا دعي الصائم إلى طعام فليقل: إني صائم، سواء كان صوم فرض أو نفل، وليدعُ لصاحب الطعام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم» (رواه مسلم). وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم» (رواه مسلم). معنى فليصل: أي فليدعُ لصاحب الطعام.ففي رمضان وقتٌ مُجاب، وربٌّ وهَّـاب.
للموضوع مراجع

في رسالة دكتوراه نوقشت بجامعة الأمير عبد القادر
دعــــوة إلـــــى قــــــراءة آيــــــات الأحكــــــام في ضــــــــوء العلـــــــــوم
دعت دراسة حديثة إلى آفاق بحثية مستقبلية، تتوجه نحو قراءة آيات الأحكام في ضوء العلوم الاجتماعية والإنسانية بهدف إعادة بناء منهج قراءة آيات الأحكام من خلال إدماج معطيات العلوم الاجتماعية والإنسانية في عملية الفهم والاجتهاد، دون الإخلال بمرجعية الوحي أو الانزلاق إلى النزعة التاريخانية الاختزالية. والتوجه نحو منهج القراءة العلمية لآيات الكون للتأسيس لفلسفة العلوم الإسلامية ونحو النقد والتأسيس في الفكر الإصلاحي الإسلامي: وكذا نحو أدوات الفهم في الفكر الإسلامي المعاصر ونحو التكامل المعرفي بين العلوم. ففي أطروحة دكتوراه نوقشت الأسبوع الماضي بكلية أصول الدين بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة للطالب الباحث ميلود رحماني في تخصص «الفلسفة الإسلامية»، عن أطروحته الموسومة بـ: ‘تجديد الفكر الإسلامي وإشكالية المنهج - عبد الحميد أبو سليمان أنموذجا «نال بموجبها درجة الدكتوراه بملاحظة مشرف جدا، وأشرف عليها أ.د/ احسن برامة وناقشها الأساتذة: أ.د/ نور الدين سكحال وأ.د/ زبيدة الطيب وأ.د/ عبد الرزاق بلعقروز وأ.د/ حجيبة شيدخ ود/ عبد الرحمن طيبي، دعا الباحث إلى بحث كيفية الإفادة من علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والاقتصاد، في كشف السياقات الاجتماعية والوظيفية للتشريع، بما يسهم في الانتقال من الفهم التجزيئي للأحكام إلى فهم مقاصدي وظيفي أكثر وعيًا بشروط التنزيل. ويشكّل هذا المسار مدخلًا لتجديد أصول الفقه وتوسيع أدواته المنهجية، والتركيز على التأسيس الإبستيمولوجي للرؤية الكونية التوحيدية بوصفها الحامل العميق لفلسفة العلوم في الرؤية الإسلامية، وذلك من خلال إعادة بناء العلاقة بين الوحي والمعرفة العلمية على مستوى المنطلقات لا التطبيقات. فالغاية ليست إسقاط المعارف العلمية على النص، ولا عزل الوحي عن مجال النظر في الكون، بل بلورة إطار معرفي يرى في الكون مجالًا للفهم والاعتبار تحكمه سنن منتظمة، ويُدرِج المعرفة العلمية ضمن أفق هادف يضبط معناها ووظيفتها وحدودها. وبهذا المعنى، يُقرأ الوحي باعتباره موجّهًا للرؤية الكونية ومنظمًا لأفق إنتاج المعرفة، لا مصدرًا لنظريات علمية جزئية، بما يفتح إمكان تأسيس فلسفة علوم إسلامية تقوم على التكامل بين المعنى والقانون، وبين القيم والسنن، وتستعيد للعلم بعده الحضاري والإنساني.من خلال دراسة فلسفية في شروط إنتاج النموذج المعرفي بهدف مساءلة العلاقة بين النقد والتأسيس في مشاريع الإصلاح الفكري الإسلامي، ومن خلال تحليل الشروط التي يتحول فيها النقد من ممارسة تفكيكية تشخيصية إلى فعل تأسيسي يسهم في بناء نموذج معرفي جديد.
وكذا نحو تأسيس إطار منهجي للاجتهاد حيث ينطلق هذا البحث من الحاجة إلى تطوير نظرية منهجية متكاملة لما يمكن تسميته بـ«أدوات الفهم» في الرؤية الإسلامية، بوصفها محددات حاكمة لعملية إنتاج المعنى والاجتهاد. ويسعى إلى تحديد موقع كل من العقل، والوحي، والمقاصد، والواقع في بنية الفهم، بعيدًا عن الثنائيات الإقصائية أو التراتبية الجامدة. كما يهدف إلى تقويم إمكان تحويل مفهوم أدوات الفهم إلى إطار منهجي ناظم للاجتهاد المعاصر، بما يسهم في تجاوز الاضطراب المنهجي في قراءة النص والواقع، ويفتح المجال لتأسيس منهج اجتهادي جديد أكثر وعيًا بتعقيد السياقات الحديثة.
كما دعا إلى التوجه نحو التكامل المعرفي بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والطبيعية: انطلاقًا من السؤال حول مدى إمكان الانتقال من التأصيل النظري لفكرة التكامل المعرفي إلى نماذج تطبيقية قابلة للتنزيل داخل الحقول العلمية المختلفة. ويكتسب هذا البحث أهميته من كونه يختبر قابلية النموذج المعرفي الإسلامي للتفعيل العملي، لا الاكتفاء بصياغته في مستوى الخطاب التنظير.
الباحث الذي جعل عبد الحميد أبو سليمان أنموذجا، لدراسته التطبيقية انطلق من ملاحظة منهجية مفادها أن قضية تجديد الفكر الإسلامي، رغم حضورها المكثّف في الخطاب الحديث والمعاصر، كثيرًا ما عولجت بوصفها مطلبًا إصلاحيًا عامًا، أو استجابة ظرفية لأزمات متتابعة، دون النفاذ إلى بنيتها التأسيسية العميقة. ليطرح سؤال الإشكالية الرئيس إلى أي حدّ يُعدّ المنهج شرطًا مؤسِّسًا في مقولة تجديد الفكر الإسلامي؟ وكيف يتجلّى هذا الشرط في المشروع التجديدي لعبد الحميد أبو سليمان؟ وانصبّ بحثه على تفكيك الأسس المفهومية والمنهجية لجهده التجديدي ومساءلته جهده في أفقٍ يتجاوز القراءة الاختزالية التي تحصر مشروعه في كونه مجرد معالجة نقدية لأزمة الفكر الإسلامي، نحو قراءة أعمق تستكشف مدى إسهامه في تأسيس الأسس المعرفية والمنهجية لما يمكن تسميته بالنموذج المعرفي لمشروع إسلامية المعرفةمتوسلا بالمنهج التحليلي، والمنهج التاريخي والمنهج المقارن، وقد انتظمت الدراسة في أربعة فصول خصص الفصل الأول: للتأسيس المفاهيمي وضبط للمصطلحات وبناء النسق الدلالي. والثاني: لمعالجة سؤال المنهج في الفكر الإسلامي المعاصر في سياقه التاريخي والمعرفي. والثالث: لتحليل تشخيص أبي سليمان لبنية الأزمة المنهجية، من اختلال الفهم إلى انسداد المنهج. والرابع: لبيان البنية المنهجية في مشروعه، من خلال الرؤية الكونية التوحيدية ومشروع إسلامية المعرفة وتطبيقاتهما في مجالات الإنسان والتعليم والفهم الشرعي، ثم الخاتمة.
وخلص إلى القول إن هذه الأطروحة قد بيّنت أن الجهد التجديدي لعبد الحميد أبو سليمان لا يُختزل في نقد أزمة الفكر الإسلامي، بل يتجاوزها إلى تأسيس رؤية معرفية ومنهجية متكاملة تسعى إلى إعادة بناء العقل المسلم، وضبط علاقته بالوحي والواقع والتاريخ، وهو إسهام يكتسب أهميته من كونه يفتح أفقًا اجتهاديًا واسعًا، ويؤكد أن التجديد الحقيقي لا يكون بتغيير الخطاب، بل بإعادة بناء المنهج، ولا بإصلاح الجزئيات، بل بتجديد الرؤية الكلية التي تمنح الفكر معناه ووظيفته في عالم متغير. حيث سهم إسهامًا واضحًا في بلورة النموذج المعرفي لمشروع إسلامية المعرفة، من خلال ثلاث مستويات تأسيسية متكاملة:المستوى الأبستمولوجي: ما مكّنه هذا التوازن من تجاوز الثنائية المأزومة بين النقل والعقل. والمستوى المنهجي: حيث أعاد الاعتبار للمنهج بوصفه أداة حاكمة لإنتاج المعرفة، لا مجرد تقنية إجرائية، والمستوى الحضاري: حيث ربط أبو سليمان المعرفة بوظيفتها في العمران الإنساني، معتبرًا أن أي معرفة لا تُفضي إلى إصلاح الإنسان وبناء المجتمع تظل معرفة منقوصة.فمشروعه يمثل لحظة تأسيسية في مسار إسلامية المعرفة، لا باعتباره نموذجًا مكتملًا أو نسقًا مغلقًا، بل بوصفه قاعدة انطلاق لإعادة بناء العقل المسلم. ع/خ