يحتفي العالم غدا باليوم العالمي للتسامح في مبادرة سنوية يستهدف من خلالها تحقيق التعايش بين مختلف الأديان والثقافات والشعوب، ونشر ثقافة الاحترام والتقدير ، وقد وجد الفقهاء المسلمون لهذه ما يقاربها من ألفاظ ومدلولات في نصوص الشريعة والتراث الفقهي الإسلامي؛ حيث نجد لفظ ‹السماحة› بمختلف استعمالاته واشتقاقاته؛ ولفظ العفو والصفح واليسر وغيرها من الألفاظ ذات الدلالة.
وقد حاول الفقهاء القدامى تعريف السماحة وبيان أنواعها وشروطها والتأصيل لها؛ لكن الإمام محمد الطاهر ابن عاشور المعاصر يعد أول فقيه يدخل مدلول التسامح الإنساني حقل الدراسات الشرعية؛ حين عرفه بقوله: (التسامح إبداء السماحة للمخالفين للمسلمين بالدين)، وأقر بأن هذا اللفظ لفظ اصطلح عليه العلماء الباحثون عن الأديان من المتأخرين من أواخر القرن الماضي، أخذا من الحديث (بعثت بالحنيفية السمحة)، وفي ضوء هذا الحديث شرع ابن عاشور في التأصيل لقيمة التسامح وتوطينها في البيئة الفقهية الإسلامية، فهو يستمد مفهومه وشرعيته من خاصية السماحة اللصيقة بشريعة الإسلام؛ حيث يرى ابن عاشور أن السماحة هي سهولة المعاملة فيما اعتاد الناس فيه المشادّة، فهي وسط بين الشدة والتساهل، ولفظ السماحة هو أرشق لفظ يدل على هذا المعنى. فهي السهولة في المخالطة والمعاشرة، وهي لين في الطبع في مظان تكثر في أمثالها الشدة؛ ويعتقد أن السماحة أكمل وصف لاطمئنان النفس، وأعونَ على قبول الهدي والإرشاد؛ ويرى أن التسامح من خصائص دين الإسلام وهو أشهر مميزاته، إنه من النعم التي أنعم بها على أعدائه وأضداده، وأدل حجة على رحمة الرسالة الإسلامية المقررة بقوله تعالى: وَماَ أَرْسَلناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعالمينَ[الأنبياء 107]، فقد أسّس الإسلام للتسامح أسسا راسخة، وعقد له مواثق متينة، وفصل فصلا مبينا بين واجب المسلمين بعضهم مع بعض في تضامنهم وتوادهم من جهة الجامعة الإسلامية التي تجمعهم، وبين حسن معاملتهم مع من تقتضي الأحوال مخالطتهم من أهل الملل الأخرى. وقاعدة هذه الأسس هي القاعدة الفكرية النفسية؛ وتلك هي أن القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم المسلمين أن الاختلاف ضروري في جبلة البشر، وأنه من طبع اختلاف المدارك، وتفاوت العقول في الاستقامة، ومتى ما تخلق المرء بهذا المبدأ أصبح ينظر إلى الاختلاف نظره إلى تفكير جبلي تتفاوت فيه المدارك إصابة وخطأ، لا نظره إلى الأمر العدواني المشير للغضب، قال الله تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود 118] وبين أهمية التسامح في انتشار الشريعة؛ وطول دوامها. كما يقول.
فنصوص الشريعة إذن وشواهد التاريخ تؤكد مدى دعوة الإسلام لهذه القيمة وحرصه على تجسيدها،ومن ذلك أنه ذكر مختلف الأديان وكتبها ودعا إلى حوار وجدال بالحسنى والالتقاء على المشترك الديني، وقد درج الخلفاء والفاتحون المسلمون على التسامح تجاه المخالفين لهم في الدين فقد أقروهم على أديانهم ومعتقداتهم كما تثبته المعاهدات التاريخية، وهذا أعظم شاهد على تسامح المسلمين.
لكن قبول التعايش مع هذه الأديان والمعتقدات والتسامح مع أتباعها لا يعني إقرار الإسلام والمسلمين لهم أو إيمانهم بها بل إن شعار المسلمين في علاقتهم مع هذه الأديان وقاعدة التعامل معهم هو قوله تعالى: لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ (6﴾) [الكافرون]، إنه قبول للتعايش دون إيمان أو اعتقاد أو اتباع، وهذا هو معنى التسامح بمفهومه المعاصر في أدق معانيه فهو دعوة ليقبل كل دين أو ثقافة التعايش مع أديان أخرى أو ثقافات أخرى دون أن تكون مضطرة لموافقتها على ما هي عليه.
وفي ضوء ما سبق فإن المسلمين على غرار غيرهم مطالبون بالانخراط في هذا المسعى العالمي، والتمظهر بمظهر التسامح مع غيرهم من المخالفين لهم في الدين، كما دعتهم إلى ذلك نصوص الشريعة وما سار عليه أسلافهم من المسلمين؛ قادة وشعوبا، ففي ظلال الحضارة الإسلامية ودولها من الشرق إلى الغرب عاش أتباع مختلف الأديان وتمتعوا بحرية العقيدة والحق في العبادة، ومخالطة المسلمين في الاجتماع والاقتصاد والعمران، وما قد يورده البعض من تشنج وتوتر للعلاقة بين المسلمين وغيرهم في فترات أو أمكنة معينة، فتلك حالات نادرة استثنائية شاذة، تعد نشازا في تاريخ الحضارة الإسلامية، وليست قاعدة عامة أو عادة مستمرة،
بل إن المسلمين في هذا العصر يطالبون غيرهم من أتباع باقي الأديان والثقافات بالتسامح معهم واحترام دينهم وثقافتهم وتقديرها وقبول التعايش معها؛ لاسيما في الدول غير المسلمة غربا وشرقا، ووقف ظاهرة الإسلاموفوبيا والكف عن التحريض والتحرش والتنمر بهم أو ممارسة التمييز ضدهم، أو انتهاك حقوقهم؛ سواء تعلق الأمر بالحقوق الثقافية أو الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية، بل احترام حقهم في الحياة، لأن هذا الحق يتعرض لخطر وجودي في بعض المناطق عالميا.
ع/خلفة
مخرجات اليونيسكو لا تختلف عن نظرة الإسلام للتسامح
إن النظرة السابقة للتسامح في ضوء نصوص الشريعة وفقهها؛ المعنى التي أصل لها الفقهاء المسلمون هي عين ما تعنيه منظمة اليونيسكو بالتسامح وتدعو إليه فقد عرفت التسامح بأنه «الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا»،وللتسامح ثلاثة أركان أساسية هي الاحترام، والقبول والتقدير، ونفت أي فهم له قد ينجر عنه تخلي المرء عن معتقداته أو تنازله عنها أو ذوبانه في دين أو ثقافة آخرى فأكدت في م (2-1) أن التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل التسامح هو قبل كل شيء اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا. ولا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية. والتسامح ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول.وأكدت في م (3-1)إن التسامح مسؤولية تشكل عماد حقوق الإنسان والتعددية (بما في ذلك التعددية الثقافية) والديمقراطية وحكم القانون. وهو ينطوي على نبذ الدوغماتية والاستبدادية ويثبت المعايير التي تنص عليها الصكوك الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.
و أكدت في المادة (4-1) أنه لا تتعارض ممارسة التسامح مع احترام حقوق الإنسان، ولذلك فهي لا تعني تقبل الظلم الاجتماعي أو تخلي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها. بل تعني أن المرء حر في التمسك بمعتقداته وأنه يقبل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم. والتسامح يعني الإقرار بأن البشر المختلفين بطبعهم في مظهرهم وأوضاعهم ولغاتهم وسلوكهم وقيمهم، لهم الحق في العيش بسلام وفي أن يطابق مظهرهم مخبرهم، وهي تعني أيضا أن آراء الفرد لا ينبغي أن تفرض على الغير.
فهذا هو المفهوم الذي طرحته اليونيسكو للتسامح كقيمة إنسانية، وهذه هي مقتضياته؛ فليس في مبادئها ما يفهم منه أن التسامح يعني التماهي مع الآخر أو إقراره على كل ما يعتقد، وليس فيها ما يقتضي أن يؤمن المسلم بدين غير دينه أو يتخلى عن دينه، فالأمر لا يتعدى جانب المعاملة، وهذا المفهوم بمقتضاه هو ما ضمنه الإسلام لغير المسلمين في دار الإسلام.
ومن خلال نصوص الشريعة والأحكام الفقهية، ومخرجات الاتفاقيات الدولية فإن قيمة التسامح تعد أمرا واجبا وليس مجرد اختيار، وهذا ما أكدت عليه منظمة اليونيسكو حين قالت م (1-1): (إن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. و يتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد. وأنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا، والتسامح، هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب)، فهو واجب قانوني يفضي إلى تحقيق السلم العالمي كحاجة إنسانية لتحقيق الأمن والتعايش، وقد حثت الدول المصدقة على هذا الإعلان تجسيد هذا الواجب من خلال إلزام قانوني، فقالت: (م1-2): (إن التسامح علي مستوي الدولة يقتضي ضمان العدل وعدم التحيز في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدارية. وهو يقتضي أيضا إتاحة الفرص الاقتصادية والاجتماعية لكل شخص دون أي تمييز.) وهذه هي أهم مظاهر تجسيد قيمة التسامح وتقنينها لتضفي عليها الصفة الإلزامية، حيث تقف الدول على مسافة واحدة مع كل المواطنين وتضمن لهم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص.
وإلى جانب الالزام القانوني ينبغي أن يكون التسامح قناعة اجتماعية عامة، تتجلى في سلوك الناس وتصرفاتهم من خلال قبولهم التعايش مع المخالف لهم في الدين والثقافة والاثنية، وقد حثت اليونيسكو على ذلك فأكدت في م (3-2) على أنه: (من الجوهري لتحقيق الوئام على المستوي الدولي أن يلقي التعدد الثقافي الذي يميز الأسرة البشرية قبولا واحتراما من جانب الأفراد والجماعات والأمم. فبدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام، وبدون السلام لا يمكن أن تكون هناك تنمية أو ديمقراطية).
وقد أوصت ببرنامج شامل لتجسيد قيمة التسامح اجتماعيا واقتصاديا من خلال التربية والتعليم ووسائل الإعلام، وتكافؤ فرص العمل والحماية الاجتماعية فبعد أن أعادت التذكير بالضرورة التي يكتسيها التسامح في هذا العصر، حين نصت في م (1-3) على أن (إن التسامح أمر جوهري في العالم الحديث أكثر منه في أي وقت مضى، فهذا العصر يتميز بعولمة الاقتصاد وبالسرعة المتزايدة في الحركة والتنقل والاتصال، والتكامل والتكافل، وحركات الهجرة وانتقال السكان على نطاق واسع، والتوسع الحضري، وتغيير الأنماط الاجتماعية. ولما كان التنوع ماثلا في كل بقعة من بقاع العالم، فإن تصاعد حدة عدم التسامح والنزاع بات خطرا يهدد ضمنا كل منطقة، ولا يقتصر هذا الخطر علي بلد بعينه بل يشمل العالم بأسره) وقالت المنظمة في م (2-3): (التسامح ضروري بين الأفراد وعلى صعيد الأسرة والمجتمع المحلي، وأن جهود تعزيز التسامح وتكوين المواقف القائمة على الانفتاح وإصغاء البعض للبعض والتضامن ينبغي أن تبذل في المدارس والجامعات وعن طريق التعليم غير النظامي وفي المنزل وفي مواقع العمل. وبإمكان وسائل الإعلام والاتصال أن تضطلع بدور بناء في تيسير التحاور والنقاش بصورة حرة ومفتوحة، وفي نشر قيم التسامح وإبراز مخاطر اللامبالاة تجاه ظهور الجماعات والأيديولوجيات غير المتسامحة.)، أكدت في م (1) (إن التعليم هو أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، وأول خطوة في مجال التسامح، هي تعليم الناس الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها وذلك لكي تحترم هذه الحقوق والحريات فضلا عن تعزيز عزمهم على حماية حقوق وحريات الآخرين.)
ع/خلفة
ندوة وطنية حول دور المذهب المالكي في نشر الوسطية بجامعة الأمير

ستحتضن جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة هذا الأربعاء ندوة وطنية حول ‹المذهب المالكي ودوره في نشر الفكر الوسطي؛ حيث ينتظر أن يشارك فيها زهاء عشرين أستاذا من جامعات وطنية مختلفة
الندوة التي دعت إليها كلية الشريعة والاقتصاد بالتنسيق مع مخبر البحث في الدراسات الشرعية، ستعالج ثلاثة محاور أساسية: المحور الأول يتعلق بمفهوم الوسطية وحقيقتها وـأصيلها الشرعي، والمحور الثاني يتعلق بمظاهر الوسطية في المذهب المالكي، والمحور الثالث يتعلق بالأبعاد المقاصدية الوسطية في المذهب المالكي والمحور الرابع يتعلق بأصول المذهب المالكي وعلاقته بالوسطية والمحور الخامس يتعلق بالاجتهاد الوسطي في المذهب المالكي. وسيحتضنها مجمع المخابر.
ارتفاع حالات الإسلاموفوبيا
في بريطانيا
كشف تقرير لمؤسسة مسلمي بريطانيا عن ارتفاع في حالات الإسلاموفوبيا والاعتداء على المساجد في بريطانيا، بنسبة 40%.واستنادا لوسائط إعلامية فقد أشار التقرير إلى تسجيل 27 حادثا تتعلّق بالكراهية ضد المسلمين خلال 3 أشهر فقط.