
دعا أساتذة باحثون إلى تعزيز المرجعية المذهبية المالكية في الجزائر لتحصين المجتمع وبناء الأمن الفكري والممانعة الحضارية وترسيخ قيم الوسطية على مستوى التربية والتعليم والإعلام وإعداد دراسات حول مظاهر هذه الوسطية في فتاوى علماء الجزائر القدامى والمحدثين والمعاصرين.
ففي توصيات أعقبت اختتام أشغال ندوة وطنية حول المذهب المالكي ودوره في نشر الفكر الوسطي يوم الأربعاء الماضي بادرت إلى تنظيمها كلية الشريعة والاقتصاد بالتنسيق مع مخبر البحث في الدراسات الشرعية بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة دعا المشاركون من جامعات وطنية مختلفة الخطباء والأئمة إلى التنويه بالمذهب المالكي والإشادة بوسطيته وشرحها للناس وحثهم على التمسك به، ودعوة أهل العلم لفقه أدلة المذهب وحسن تنزيلها على واقع الناس حتى تكتسب دعوتهم وفتاواهم حسن القبول، وتشجيع الدراسات العلمية الأكاديمية التي تعنى بإبراز مظاهر الوسطية في المذهب المالكي ومدونة الفقه المالكي ونشرها، وتكثيف الدراسات التي تستثمر مفردات التقعيد الأصولي و المقاصدي التي يزخر بها المذهب المالكي عموما ومدرسة الغرب الإسلامي خصوصا من أجل وضع خطة منهجية لمواجهة الحوادث والمستجدات الواقعة أو المتوقعة ومعالجتها بمنهج وسطي رشيد للخروج بمعنى الوسطية من حيز التنظير إلى حيز التفعيل؛ مؤكدين على ضرورة إبراز مظاهر وسطية المذهب المالكي في قضايا الأسرة عموما وقضايا المرأة خصوصا في ظل التحديات المعاصرة.
كما دعا المشاركون إلى اعتماد الفتوى الجماعية وفتاوى المؤسسات عند إعمال قاعدة مراعاة الخلاف في مختلف الفتاوى والنوازل حفاظا على وحدة الفتوى، كما دعوا إلى إنجاز دراسات علمية أكاديمية نقدية حول علاقة المذهب المالكي بمدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الأثر التاريخيتين وإبراز مظاهر الوسطية في ذلك؛ على اعتبار أن المذهب المالكي أخذ من المدرستين أصولا وفورعا منذ عهد الإمام المؤسس مالك بن أنس، ولم ينغلق ضمن مدرسة فقهية واحدة.
ع/خلفة
حيثما وجد المذهب المالكي في بلد وجد معه العدل

إن الناظر المتدبر في أصول الشريعة وفروعها، سيقف على حقيقة أنها تدور في فلك الوسط والعدل، وأن أحكامها كلية وجزئية تدل على هذه المعاني، وقد عظمت الفتاوى، وانتخبت المذاهب على درجة استحضارها للوسط والعدل. وكان من أبرز المذاهب التي استثمرت منهج الوسط والعدل، وطبقته تنظيرا وتنزيلا المذهب المالكي، حتى عرف بالوسط والعدل في أصوله وقواعده ومقاصده، وقد شهد له بذلك المخالف يقول ابن تيمية: «من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد»، وقال أيضا:« كانت الأمصار التي ظهر فيها مذهب مالك وأهل المدينة يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس بغيرها».
والمتأمل في المذهب المالكي من خلال تراثه الفقهي، يلحظ أن له من الأصول والقواعد وما يتميز به من خصائص منهجية، تجعله قادرا على التوظيف المنهجي، والاستفادة من تجاربه الفكرية في مختلف بقاع العالم، لأنه اعتبر الوسطية مكونا أساسيا من مكونات النظر الاجتهادي في الفكر الفقهي، مما جعلها منهجيا تحوز مكانة عظمى في التنظير والتنزيل الفقهي، مما يجسد نزعة الفقه المالكي إلى مراعاة الوسطية في كل مستويات الاجتهاد الفقهي، بحيث جعلها ذلك حاضرة في فكر المجتهدين المالكيين، ومصاحبة لآرائهم وتصوراتهم الاجتهادية، تضبط فكرهم وتسدد اجتهادهم
ومن بين هذه القواعد التي تميز بها المالكية والتي تعتبر من الأصول الاستدلالية المميزة لهذا المذهب قاعدة أو أصل ‹ما جرى به العمل›، الذي اعتمدوه في بناء وتنزيل الأحكام على الوقائع التي كانت تنزل بالناس. وهي تجسيد عملي لمعاني الوسط والعدل والمرونة الذي رامته الشريعة من تنزيل أحكامها على الخلق، مما يجعل فقه المالكية فقهًا حيوياً وقادراً على مواكبة تطورات العصر.
ولا شك أنه كان لإعمال هذا الأصل أثر كبير في تطوير المادة الفقهية لدى مالكية الغرب الإسلامي من خلال تطويعها ومحاولة إيجاد الحلول والأحكام الشرعية المناسبة لما يستجد، وينزل بالناس، فكانت هذه القاعدة من القواعد التي استند عليها القضاة والفقهاء لإيجاد الأحكام الشرعية في المسائل التي لم يرد نص شرعي قطعي الدلالة فيها، وترجيح بين الأقوال الواردة في المسألة بما يحقق مصالح المكلفين بناء عليها، أضف إلى ذلك أنه كان لتطبيق هذا الأصل أو العمل أثر في تجديد الفقه من خلال عدم جمود الفقهاء على ما هو مدون في الكتب، وإنما كانوا يعمدون إليه فيحاولون استخراج علله بناء على النظر إلى الأحوال والعوائد والظروف التي استدعته آنذاك، والنظر فيها من جديد لمراعاة ما هو الأنسب والأصلح للمكلفين بما يحقق مصالحهم الآنية والمستقبلية، فكان هذا الأصل من الأمور التي حفظت للفقه والاجتهاد المالكي خصوصا والإسلامي عموما جدته وحيويته واستمراره، وكرست وسطيته وعدله في إنشاء وتنزيل الأحكام في واقع المكلفين، ومن النماذج على ما جرى به العمل قديما تجويز صلاة الجمعة في عدة مساجد بدل المسجد الواحد.
ينبغي تأهيل المفتين وفق الوسطيّة والاعتدال
لقد أخذت المذاهب الفقهية السنّيّة بالنمط الوسط في الفقه والاجتهاد أصولا وفروعا، وكان المتميز منها بذلك المذهب المالكي؛ من حيث توازن أصوله وتكامل مناهجه، وجمعه لمحاسن ما في المذاهب كلّها.ولا ريب في أنّ الفضل في ذلك عائد إلى تفوّق علمائه، ووثيق صلتهم بعلم الصحابة والتابعين، ووراثتهم للمنهج المعتدل المتوازن، المزاوج بين الأصول النقلية والعقلية، والآخذ بالأثر والرأي معا، الجامع بين المباني والمعاني.وقد انطبع الاجتهاد الفقهيّ فيه بالوسطيّة والاعتدال.
والوسطية منهج أصيل متجذّر فيه، قائمٌ على الجمع المتوازن بين النصوص والمصالح والقواعد الشرعية.والوسطيّة في الاجتهاد هي المنهج الآخذ بين طرفي الإفراط والتفريط، وهو السماحة الواقعة بين التشديد والانحلال، وهو اليسر الواقع بين الحرج والتساهل.
وقد أرسى الإمام الشاطبي تصورًا دقيقًا للاجتهاد الوسطي قائمًا على اعتبار المقاصد والكليات الشرعية في التعامل مع المسائل الفرعيّة. فوسطيّة الاجتهاد عند الشاطبي تقوم على ضوابط علمية دقيقة، توازن بين إطلاقية النظر والقيود الشرعية المعتبرة. والاختلاف بين العلماء ليس دليلًا على توسيع دائرة الترخّص، بل هو دالّ على سعة مجال الاجتهاد مع لزوم تعيين الراجح بدليله، وهو ما نبّه إليه الشاطبي بقوة حمايةً لمنهج الاجتهاد من التسيّب أو التلفيق. والميل إلى الرخص بلا دليل أو إلى التشديد بلا موجب يعدّ خروجًا عن وسطية الاجتهاد؛ ووسطيّة الاجتهاد تقتضي مراعاة مدارك جمهور المكلّفين وقدراتهم العقليّة.
إن تحقيق التوسط في الفتيا مرتبط بثبوت الدّليل؛ فحيث كان دليل الترخيص فثَمّ التيسير، وحيث كان دليل التغليظ فثَمّ التشديد، وهو ما ينفي الميل النفسي المسبق نحو أحد الطرفين. والتمييز بين الأصول والفروع يعدّ أساسًا لضبط الاختلاف؛ فالمخالفة في الجزئيات مقبولة، أما مخالفة الكلّيّات أو المقاصد القطعية فمرفوضة. ولا إنكار في مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف.
إن الحاجةتدعو في واقعنا المعاصر إلى تمثّل المنهج الوسطي المتوازن في التعامل مع القضايا الفقهيّة والفكريّة، حتّى نحفظ لمجتمعنا وحدته وتناسقه وتآلفه، وسمات الوسطية التي قررها الشاطبي تمثل نموذجًا إصلاحيًا معاصرًا لتجديد الفقه وضبط الفتوى وحماية الاجتهاد من الانفلات أو الجمود، وهي صالحة لتوجيه الاجتهاد في النوازل المعاصرة.
وإننا ندعو إلى تفعيل المقاصد والكلّيّات في النّظر الاجتهاديّ المعاصر في المذهب المالكي، لتحقيق التوازن بين الثابت والمتغير وتأهيل المفتين وإعداد المجتهدين وفق الوسطيّة والاعتدال بضوابطهما الشرعيّة والمنهجيّة، لتجاوز الميل إلى الرّخص أو التّشديد وفق الأذواق والرغبات الشخصية. وينبغي ضبط خط التيسير المعتدل بين التساهل والتّشديد، واعتماد منهج نقد الأقوال لا الأشخاص لتكريس الموضوعيّة العلمية.
للوسطيــــــة مقاصــــــــــــــد ومعاييـــــــــــــــــــر
إنّ تحقيق الوسطيّة يُعدُّ من أهمِّ مقاصد الشّريعة ومراميها التي تهدف إليها من خلال تشريعاتها وأحكامها، ومن أهم مقاصد الوسطيّة وأهدافها، ما يأتي:
(أولا) تحقيق الخيريّة: فإنّ من أهمّ مميزات هذه الأمّة المحمّديّة هي خيرِيَّتُها وتميُّزها على سائر الأمم، فما تبوّأت هذه المكانة بين الأمم؛ إلا باتّخاذ منهج الوسطيّة لها مسلكا وطريقا ومنهجا.
(ثانيا) تحقيق وتمثيل الأمن والأمان: فإنّ الوسطيّة تمثِّلُ ساحل الأمان والبُعدَ عن الأخطار
ثالثا) تحقيق القوّة: فمن أعظم أهداف الوسطيّة ومقاصدها هي تحقيق القوّة في هذه الأمّة وتعزيزها، فكُلّما كانت الأمّة متمسّكةً بالمنهج الوسط وسائرة على نهجه ومنواله؛ كُلّما كانت أكثر قوّة وعزّة، وما انحرفت عن الوسطيّة ومالت إلى إحدى طرفي النّقيض؛ إلا زادها ذلك وهاءً وضعفا
(رابعا) تحقيق وحدة الأُمَّة: فمن أهمّ مقاصد الوسطيّة هو تحقيق وتجسيد الوحدة في هذه الأُمّة، فكُلّما كثر التشدُّدّ والتطرُّف، فلا تتحقّقُ وحدةٌ للأمّة إلا بسلوك منهج واحد، تنصهر فيه كُلُّ الرُّؤى، وتجتمع فيه الكلمة، هذا المنهج هو منهج الوسطيّة.
(خامسا) محاربة التطرُّف والتشدُّد: فالوسطيّة تهدف في روحها وجوهرها إلى حصار ومحاربة ظاهرتي التطرُّف والتشدُّد في دين الله تعالى، القائمين على إقصاء الرّأي الآخر وعدم الاعتراف به، وسوء الظنّ.
(سادسا) تحقيق اليُسر ورفع الحرج: وهو أوّل ما يتبادر إلى أذهان النّاس حينما تُذكر الوسطيّةُ هو اليُسر والتّخفيف ورفع الحرج والعنت.
وللوسطية معايير ينبغي التقيد بها؛ منها: المُلاءمة بين ثوابت الشّرع ومتغيّرات العصر، وفهم النّصوص الجزئيّة في ضوء مقاصدها الكُليّة، والتّشديد في الأصول والكلّيّات، والتّيسير في الفروع، والتّيسير في الفتوى والتّبشير في الدّعوة، واتّخاذ منهج التّدرُّج الحكيم: في الدّعوة والتّعليم والإفتاء والتّغيير، وعدم استعجال الأشياء قبل أوانها، مراعاة سُنّةُ التّدرُّج. واحترام العقل والتّفكير، والدّعوة إلى النّظر والتدبُّر، والفهم الشّمُوليُّ التّكامليُّ للإسلام، ووضع التّكاليف في مراتبها الشّرعيّة، والتّركيز على القيم الأخلاقيّة، والعناية بعمارة الأرض وتحقيق التّنمية المتكاملة، والدّعوة إلى المبادئ والقيم الإنسانيّة والاجتماعيّة.
الفقه المالكي عالج قضايا المرأة بوسطيـــــــــــة ظاهـــــــــــــرة
د. دليلة بوزغار، جامعة الأمير عبد القادر
لقد عالج الفقه المالكي قضايا المرأة بكل اعتدال و توازن بما يحفظ حقوقها ومصالحها في كل الميادين، وتجلت مظاهر الوسطية في الفقه المالكي من خلال فتاوى الفقهاء واجتهاداتهم، فقد وازن الفقه المالكية في قضايا المرأة الشخصية بين استقلالها ومصالحها وجمع الفقه المالكي بين حفظ الدين وحفظ النفس وقد تجلت الوسطية في فتاوى المرأة في المذهب المالكي في قضايا كثيرة منها:
الوسطية في فتاوى أحكام العبادات على غرار فتاوى صيام الحامل و المرضع وما شرع بشأنهما من تيسير ورفع حرج، ووجه الوسطية في الفقه المالكي؛ أن الفقه المالكي وازن بين حفظ النفس وأداء العبادة بإباحة الفطر وفي الوقت نفسه مع القضاء بعد زوال العذر، كما فرقوا بين الحامل والمرضع لأن الأولى خافت على نفسها فهي في حكم المريض والثانية خافت على غيرها (ولدها)فأوجبوا عليها الفدية خلافا للمذاهب الأخرى.
كما تجلت الوسطية في فتاوى الولاية في الزواج:ووجه الوسطية في الفقه المالكي:أن المرأة عند مالك ليست ناقصة الأهلية بل لها حق القبول والاختيار لكن الولي شريك لها لذلك أوجبوا الولاية على الصغيرة والبكر لعدم معرفتهما بالرجال، وأجازوا ذلك للراشدة بشرط زواجها من الكفء وإلا كان للولي حق الفسخ، وأيضا جعلوا ولاية الإجبار مقتصرة على الأب أو وصيه وهو مصدر الحنان والشفقة عليها ومن ثم الحرص على مصلحتها.
وفتاوى سفر المرأة ووجه الوسطية في الفقه المالكي:أن المالكية ربطوا بين حكم السفر وعلته وهو تحقق الأمن لا مجرد المعنى الظاهري للنصوص وفي ذلك إعمال لها وهذا توسط واعتدال بين المنع المطلق والجواز المطلق خاصة إذا تعلق الأمر بالسفر الواجب،وهذا من أرقى مظاهر الوسطية والواقعية في فقه مالك خاصة في ظل تغير ظروف السفر في هذا العصر.