
يكتسي المطر أهميته من أهمية الماء الحياتية والدينية ذاته من حيث كونه عنصر الحياة الأساس لكل الكائنات الحية ووسيلة الطهارة والنظافة، ولذلك كثر ذكره في كتاب الله تعالى باعتباره نعمة من النعم العظيمة المستلزمة للشكر والثناء، وباعتباره آية من آيات الله تعالى في الكون الدالة على عظمته ووحدانيته.
فقد ذكر لفظ المطر ومشتقاته في القرآن الكريم في أحد عشر موضعا وذكر الغيث والطل والودق والوابل في حوالي سبع مرات، بينما ذكر الماء في حوالي 59 مرة، وفي جل مواردها بيان لنعمة الله تعالى وفضله على الإنسان ومختلف المخلوقات المسخرة له وفيها دعوة للإنسان للتدبر والتفكير والوقوف عند آيات الله تعالى ومظاهرها في الكون، ففي كل تساقط لمطر أو غيث آية وعبرة وفي كل قطرة منهما حياة ورحمة.
ففي كونها آية تدعو للتدبر بما يترتب على نزولها من حياة لكل كائن حي يقول الله تعالى: {إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}البقرة: 164، وفي معرض بيان أهمية الماء في الطهارة الشرعية يقول الله تعالى: {إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} الأنفال: 11، وفي معرض بين أهميته في إنبات الزروع والثمار يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} الأنعام : 99، ويقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} النحل : 10
وفي معرض جعل نزول المطر دليلا على وجود الله تعالى وعظمته يقول الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} العنكبوت: 63. وغيرها من الآيات التي تكشف كل آية فيها عن مغزى جديد من إنزال المطر وجعله متاحا للاستعمال العادي والتعبدي.
وقد يتأخر سقوط المطر لحكمة يعلمها الله تعالى فيبدي الناس قلقا على أنفسهم ومواشيهم وزورعهم وثمارهم، وعن كل ما يدخل الماء في تركيبه وصناعته؛ فتأتي رحمة الله تعالى لتزيل هذا القلق وتطمئن النفوس الخائفة؛ يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} الشورى: 28، وهذه تتطلب من الناس عادة استغفارا ودعاء وصلاة؛ يقول الله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)[ نوح: 10]، ومن الأدعية المأثورة حين نزول المطر: (اللهم صيباً نافعاً.
إن في المطر آيات ونعم كثيرة ولئن انجر عن سقوطها شعور بالبرد أو خوف من فيضان وعواصف فإن هذه المخاوف تزول وتهون إن عرفنا فوائدها الجمة التي تتعلق بالحياة والعبادة، وإن مسؤولية ما يخشى من مخاطرها تقع على البشر الذين ينبغي أن يكيّفوا حياتهم وفق مواسمها ويهيئوا لأنفسهم من الوسائل والمنشآت والأنظمة ما يتفادون به تلك المخاطر ويدفعوا تلك المضار.
ع/خلفة

الاعتدال في العبادة مقصد من مقاصد الشريعة السمحة
التوسط أو الاعتدال أصلٌ كلّيّ في الشريعة، وعليه بناؤها، يقول الإمام الشّاطبيّ: «الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقّة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جارٍ على موازنة تقتضي في جميع المكلّفين غاية الاعتدال، كتكاليف الصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة.
والتوسط (الاعتدال) مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية، «وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة»، كما يقول الإمام ابن القيم. ويؤكد الإمام الشّاطبيّ أنّ حمل الناس على التوسط هو الموافق لقصد الشارع، وهو الّذي كان عليه السّلف، و به أوصَوْا ومن طرفيه حذروا، كما في قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (قد سُنّت لكم السُّنن وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا)، ولأنّ الميل تعدٍّ، فإنَّه من أبواب الفساد المحذورة، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: «إنما فسدت الأشياء حين تُعدِّيَ بها منازلُها».
والتوسّط (الاعتدال) هو روح الشرع ومعقولة، والوسطيّة «هي الطريقة المقبولة شرعا وعقلا، لأنّها تحافظ أوّلا على ثوابت الشريعة، وتراعي مقتضيات التطور القائم على أساس المصالح المرسلة بما فيها الأعراف العامة، عملا بروح النص، ودون مصادمته، ومن هنا كانت الوسطيّة محقّقة للأصالة والمعاصرة معا».
الوسطيّة هي منهج النّبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد في كلّ عصر، وجمهور الأمة من أهل السّنة والجماعة هم أهل الاعتدال و«هم السّواد الأعظم من المسلمين الّذين مشوا على الجادّة ولم ينحرفوا يمنة ولا يسرة، وهم المعتدلون في عقائدهم وفي فقههم ومنهم أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم. يقول الإمام الشّاطبيّ: «الحمل على التوسّط هو الموافق لقصد الشارع، وهو الّذي كان عليه السلف الصالح».
وانتهاج الوسطيّة هو الموافق لطبيعة الشريعة الإسلامية السمحة والتي هي دين الفطرة، وحكمة السّماحة في الشريعة «أنّ الله جعل هذه الشريعةَ دينَ الفطرة، وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلّة، فهي كائنة في النفوس سهل عليها قبولها، ومن الفطرة النفور من الشدّة والإعنات قال تعالى: يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً (النساء:28)، وقد أراد الله تعالى أن تكون شريعة الإسلام شريعة عامة ودائمة فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمة سهلا، ولا يكون ذلك إلاّ إذا انتفى عنها الإعنات، فكانت بسماحتها أشدَّ ملاءمةً للنفوس، لأن فيها إراحةَ النفوس في حالَيْ خُوَيْصَتِها ومجتمعها».
والانحراف عن أصل التوسّط في فهم النّصوص والوقوع في الطرفين الحادثين منكر مذموم، فيقول فيما ينقله عنه الإمام ابن الجوزي: «هلك الإسلام بين طائفتين الباطنية والظاهرية، فأمّا أهل البواطن فإنهم عطلوا ظواهر الشرع بما أدعوه من تفاسيرهم التي لا برهان لهم عليها، حتى لم يبق في الشرع شيء إلاّ وقد وضعوا وراءه معنى، حتى أسقطوا إيجاب الواجب، والنهي عن المنهي. وأمّا أهل الظاهر، فإنّهم أخذوا بكل ما ظهر مما لابد من تأويله، فحملوا الأسماء والصفات على ما عقلوه».
للموضوع مراجع

اللباس يعكس معالم الشخصية
إن اللباس في سياق القرآن الكريم سترة للعورة قال جل جلاله:)فَأكلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ(، طه 121، ووقاية للبدن قال جل جلاله:)وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ(فاطر، 33، وزينة قال جل جلاله: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ(، الأعراف 31؛ ثم إن اللباس صناعة من الصناعات وحرفة من الحرف . قال جل جلاله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ(، الأنبياء 80؛ وأخيرا وليس آخرا تجارة أي بيع وشراء. قال جل جلاله)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) النساء، 29 . وللرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يحسن الرجوع إليها في مظانها.
واللباس عبر المراحل التاريخية والحضارية كان علامة من علامات تمايز الشخصية، بل ودخل في هوية الأمة، لكن قد يقع التقليد؛ ونحن هنا نتوقف عند مقولة ابن خلدون وهو ابن هذه الأمة والمنطقة: «في أن المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»، فالشباب الذي اُستُنكر عليه التقليد هذا مغلوبون حضاريا، وعليه كان لا بد من طرح السؤال الآتي: كيف يمكن أن نعالج هذه الظاهرة أو التقليد؟ لأن الاستنكار، والمنع بقوة القانون وحدهما لا يجديان نفعا؟ وإن خطبنا وحاولنا بث الوعي فجهدنا يذهب أدراج الرياح كصياح في الصحراء ليس له صدى، وأمثلة كثيرة سمعناها ونسمعها في مساجدنا وغيرها منذ سنين طويلة خلت في هذا المجال ومجالات أخر.
والجواب بسيط وصعب في الوقت نفسه: إنه العمل والعلم معا؟! والسؤال كيف يمكن جعل أفراد الأمة يقدسون العمل، ويبكرون له، ويتنابزون به؟ ويعظمون العلم ويتسابقون إليه بعقولهم، وأبدانهم، وبأموالهم؟فلا ينبغي فقط أن نشرح الظاهرة أو الوضع بل لابد من الإسهام في علاجه، وتصحيح مسار الأمة باقتراحات بناءة يأخذها الحضور خاصة في المساجد على محمل الجد، نفسيا وسلوكيا وعمليا ليكون للخطاب المسجدي فعالية ونتيجة.
صدى المنابر
ضـــــــــــرورة التفـــــــــــــاؤل
من قرأ أخباره الأنبياء والرسل في القرآن الكريم وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم أدرك حقيقة الابتلاء وطبيعة الدنيا الفانية.
فهذا آدم عليه السلام ابتلاه الله بإبليس يوسوس ويزخرف ويجمل الباطل حتى أٌخرج أبونا آدم من الجنة، وهذا نوح عليه السلام كذّبه قومه وآذوه بل واستهزؤوا بدينه ودعوته وهو يدعوهم ليلا ونهارا سرًا وجهارًا. وهذا إبراهيم عليه السلام ألقي في النار وأُمر بذبح فلذة كبده إسماعيل عليه السلام، وهذا يعقوب عليه السلام بكى أسفًا وحزنًا حتى عميَ وبيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم بسبب ما تعرض له من الابتلاء، وهذا يوسف عليه السلام جعل يتقلب في الابتلاءات في الجب تارة وفي السجن تارة أخرى، وهذا أيوب عليه السلام ابتلى بالمرض سنين عددًا فما قنط ولا استكان بل بقي صابرًا ثابتًا فاستحق ثناء الله عليه قال تعالى: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ » ، وهذا موسى عليه السلام ابتلى بفرعون ، ولكن موسى والثلة المؤمنة ظلوا صابرين صامدين ثابتين على الحق المبين حتى نصرهم الله رب العالمين، أما نبينا محمد على الله عليه وسلم فقد كذّبه قومه وآذوه ووصفوه بأبشع النعوت وطردوه حتى نصره الله جلّ وعلا، إذن الابتلاء سنّة ماضية لا تجامل ولا تحابي أحدًا قال الله تعالى: «آلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ» .
عباد الله، إن القلوب التي تعلقت بربها تعلقا صحيحا لا تعرف القنوط واليأس، بل قلوب المؤمنين عامرة بالتفاؤل والأمل في الله، فهذا يعقوب عليه السلام يقول لبنيه «يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ» ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يعرف عنه القنوط والتشاؤم أبدًا، لأن القنوط والتشاؤم -عباد الله – صفات مقيتة تضعف الإيمان وتغضب الرحمان، قال عليه الصلاة والسلام: «أكبر الكبائر: الشرك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله» .
عباد الله: إذا كان الابتلاء سنّة ماضية لا تتبدل ولا تتغير فإن الفرج بعد الشدّة سنة ماضية أيضا، وبعد العسر يسر، وبعد الشدّة رخاء، وإن النصر مع الصبر، وإذا أظلم الليل انقشع، وإذا ضاق الأمر اتسع، قال تعالى:«إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا «.وإن مما يعين على التفاؤل ويثبت الأمل تقوية الإيمان في القلب ولا يكون ذلك إلا بمعرفة أسماء الله وصفاته وتلاوة كتابه والإكثار من ذكره ونوافل عبادته والتأمل في سيرة نبيه صلى الله
عليه وسلم. موقع وزارة الشؤون الدينية