
يعد شهر رمضان مضمارا للتسابق في الطاعات ومع التحوّل الرقمي الذي نعيشه، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للدردشة بل تحولت إلى محركات جبارة لدفع عجلة العمل الخيري وتوسيع نطاق أثره، حيث ساهمت في ظهور جيل جديد من المتطوعين الذين يستخدمون مهاراتهم في التصوير والكتابة لنقل معاناة المحتاجين وتسليط الضوء على قصص النجاح.
هذا المحتوى البصري يحرك العواطف ويدفع الناس للمشاركة، ليس فقط بالمال، بل بالجهد والوقت أيضا.
وإن العمل التطوعي في رمضان ليس مجرد نشاط اجتماعي، بل هو عبادة تكتمل بصفاء الروح، وما نراه اليوم من تأثير وما يقوم به المؤثرون الواعون من استثمار لهاته الوسائل في أبواب الخير، لخير دليل على ارتباط هؤلاء بدينهم وقرآنهم وهو المحرك الحقيقي خلف كل منشور خيري نراه.
ومما نلاحظه اليوم هو أن العمل الخيري الرقمي في تزايد وبسرعة فورية وتفاعل واسع ومشاركة مستمرة ، ومنه يمكننا القول إن وسائل التواصل الاجتماعي صارت جسرا يربط القلوب الرحيمة بالنفوس المحتاجة ، فيمكن لحالة إنسانية أو مبادرة لإفطار صائم أن تصل آلاف المتبرعين في ثوان معدودة، وهذا الانتشار يسهم في سد الاحتياجات العاجلة ، كما نلحظ من خلال البث المباشر للمبادرات الشبابية التي تقوم بتفطير الصائمين ومساعدة المحتاجين أنها تمنح المتبرعين راحة البال وتحفزهم على الاستمرار في الدعم حينما يرون أثر صدقاتهم تتحول إلى ابتسامة على وجه محتاج.
فنبض الخير الرقمي ننشر من خلاله القيم الدينية والتي تتحقق في رمضان أكثر، فننشر الرحمة والإحسان والتكافل والتآزر والتعاون والتضامن وأن نضع أيدينا في أيدي القائمين على هذا العمل النافع وهاته العدوى الإيجابية، وأن نشاركهم الخير الذي يفعلون، وأن نكن متفاعلين لا متفرجين، وأن ندعمهم بالكلمة الطيبة والدعاية الحكيمة وحسن الظن، والدعاء لهم في السر والعلن بالتوفيق والسداد فالدال على الخير كفاعله.
والسعادة الحقيقية في العطاء أكثر منها في الأخذ، والخدمة التي نقدمها لمن حولنا تجعل لحياتنا معنى، وتجعلنا نشعر بالأمان والاستبشار بموعود الله تعالى للمحسنين، وهذا من القيم التي ينبغي أن ننشرها في مجتمعاتنا.
وأن نجعل من حساباتنا منابر تدعوا للخير وتجمع الشتات وتنشر الأمل، فكل شيء سيمضي في هذه الحياة، ويبقى أثر العطاء الذي أسعدت به غيرك، فما عندنا سينفد وما عند الله سيبقى وذلك خير وأبقى.

أحكـــــام الصيــــــام (10)
ما يترتب على الإفطار
*خصال الكفارة الكبرى
الكفارة نوعان: صغرى وهي الفدية بسبب تأخير القضاء عن زمنه، وكبرى والمقصود بها الكفارة التي تجب بسبب العمد، وانتهاك حرمة شهر رمضان، من غير عذر مبيح للفطر، فهي من العقوبات والزواجر لمخالفة واجب الصوم وانتهاك حرمة رمضان، وخصالها هي أنواعها التي يقوم عليها أداؤها، وهي ثلاثة: الإطعام، أو العتق، أو صيام شهرين متتابعين.
والأصل في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكتُ، قال: وما شأنك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل أستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تُطعم ستين مسكينا؟ قال: لا أجد، فأُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر، فقال:
تصدّق بهذا، فقال: أفْقَرَ منا؟ فما بين لابَتَيْها (أي جبلي المدينة) أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك»
1 -إطعام ستين مسكينا: من المسلمين، وذلك بإعطاء مدّ لكل مسكين من غالب قوت أهل البلد، كالبر، والشعير، والتمر، والأرز، ونحو ذلك.
2 -عتق رقبة: مؤمنة كاملة الرق، والخِلقة بأن سلمت من العيوب الفاحشة.
3 -صيام شهرين متتابعين: ويعتمد في ذلك الهلال، إن ابتدأ الصوم من أول الشهر، وإن ابتدأ الصوم أثناء الشهر، ولم يعتمد بالصيام الهلال، فإنه يصوم الأيام بعده معتمدا الهلال، سواء حصل الشهران كاملين أم ناقصين، ثم يكمل بقية الشهر الأول ثلاثين يوما.
- لا بد من التتابع في صيام الكفارة، فلو قطعه في أثنائها كأن أفطر لغير عذر، بطل جميع ما صامه منها، وعليه استئناف الصيام من جديد، إلا إذا أفطر نسيانا أو عن غير قصد، فلا يبطل صومه وإنما يبني على ما فعل.
- يخيّر المكفِّر بين هذه الخصال، وليس عليه الترتيب في أدائها، ويؤيد حديث أبي هريرة السابق، أن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر الرجل الذي أفطر في رمضان، أن يعتق، أو يصوم، أو يطعم، و"أو" تفيد التخيير. ولا يلفّق بين نوعين من الكفارة.
- تتعدد الكفارة بتعدد فساد الأيام، دون تكرر موجبها في اليوم الواحد.
للموضوع مراجع.
صدى المنابر: اغتنـــــــــــــام ما بقـــــي مـــــــن رمضـــــــــــان
أيها المؤمنون، لقد ودّعنا العشرةَ الأولى من شهر رمضان، تلك الأيام التي هي أيام الرحمة، كما ورد في الأثر: «أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار).
مضت سريعًا شاهدةً لنا أو علينا، فهنيئًا لمن أحسن فيها الصيام والقيام، وتلا القرآن، وحفظ لسانه وجوارحه، وويلٌ لمن فرّط وضيع. عباد الله إن شهر رمضان ليس أيامًا عابرة، بل هو موسمٌ ربانيٌّ للتزكية والتطهير، قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 183]. فغاية الصيام تحقيق التقوى، ومراقبة الله في السر والعلن.
عباد الله، إذا كانت العشرة الأولى قد انقضت، فإن العشرة الثانية قد أقبلت، وهي أيام المغفرة، فالمغفرة مطلب كل عبدٍ مذنب، وكلنا ذوو خطأ، قال صلى الله عليه وسلم: «كلُّ بني آدم خطَّاء، وخيرُ الخطَّائين التوابون».فأكثروا من الاستغفار، وأحيوا ليلكم بالقيام، وعمّروا بيوت الله بالذكر والقرآن.
ثم إذا أقبلت العشر الأواخر، فهي تاج الشهر ودرته، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر «شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» متفق عليه.
وفيها ليلة القدر التي قال الله فيها:"لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر" [القدر: 3].
ليلةٌ العملُ فيها خيرٌ من ثلاثٍ وثمانين سنةً وزيادة! فكيف يفرط فيها عاقل؟ وكيف يغفل عنها مؤمن؟
أيها الأحبة، إن رمضان مدرسة الصبر، ومدرسة القرآن، قال تعالى:"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ" [البقرة: 185]. وكان سلف الأمة يختمون القرآن مرارًا في هذا الشهر، إدراكًا منهم لفضله.
فحاسبوا أنفسكم:كيف كانت صلاتنا؟كيف كان صيامنا؟كيف كان تعاملنا مع الناس؟
فإنما هي أيام معدودات، ثم يقال: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.نسأل الله أن يجعلنا من المقبولين، وأن يبلغنا ليلة القدر، وأن يكتب لنا فيها العتق من النار.
وزارة الشؤون الدينية والأوقاف

أهميــــــــة الدعــــــاء في شهـــــــر رمضــــــان
وصف ابن الجوزي شهر رمضان فقال: ‘‘ما من دعاءٍ إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خيرٍ إلا مجموع، ولا ضررٍ إلا مدفوع»
كان السلف يخصصون دعوات يلحُّون عليها طيلة شهر رمضان في السجدات، وأدبار الصلوات، وقبل الإفطار وعند الإفطار، وفي الأسحار.
فالصيام والدعاء متلازمان لا يفترقان أبدًا، وينبغي على المسلم أن يدعو ربه في رمضان وباقي الشهور، ولكنه في رمضان أرجى من سائر الأيام، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد: «لكل مسلم دعوة مستجابة يدعو بها في رمضان»؛ (رواه الإمام أحمد)
ومن أوقات استجابة الدعاء ما يلي:
1/ للصائم عند فطرة دعوة لا ترد، ولهذا ينبغي للمسلم أن يلهج بالدعاء ويُكثـر منه لنفسه وأهله وجيرانه ووالديه، وكل ذي رحم حتى وإن كانوا قاطعين له، ولا ينسى المستضعفين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأيضًا لا ينسى أموات المسلمين، فهم أكثـر احتياجًا منا في إرسال الكثير من الدعوات لهم.
2/ الثلث الأخير من الليل: ففيه ساعة لا يرد فيها سائل إلا وقد أُعطي من خير الله، فما أعظمها من خلوة وما أجملها من مناجاة، ولتعلم أن الذي يسمع صوت مناجاتك وافتقارك وتذللك إليه، لن يردَّك خائبًا ولن يرجعك منكسرًا.
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينزل ربُّنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى ينفجر الفجر وذلك كل ليلة»؛ (رواه مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة).
3/ عليك بالدعاء وحسن الظن وعدم اليأس، فقد يعطيك الله أكثـر مما سئلت، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: يا رسول الله، إذًا نُكثـر؟ قال: الله أكثـر»؛ (أخرجه الإمام أحمد).
4/ وقت السجود في الصلوات الخمس والنوافل؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثـروا الدعاء»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «أما الركوع فعظموا فيه الربَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم»؛ (رواه مسلم في صحيحه)
5/ آخر كل صلاة قبل التسليم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علَّم أصحابه التشهد قال: ثم ليختر من الدعاء أعجبه إليه فيدعو.
6/ يوم الجمعة من بعد صلاة العصر إلى وقت المغرب فإن فيها ساعة إجابة ودعوة لا ترد هذا في كل أسبوع، فما بالنا بها في شهر رمضان؟ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «في يوم الجمعة ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئًا وهو قائم يصلي إلا أعطاه الله إياه»، فكن فيها أشد تعبدًا وتقربًا إلى الله، وكن مخلصًا بين يديه تدعوه بتضرُّع وافتقار إليه وحده.
7/ وهناك وقت يغفل عنه الكثير أيضًا، وهو جلسة الشروق؛ ففيها خير عظيم لكل نفس جلست تذكر الله وتدعوه؛ عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كآجر حجة وعمرة تامة تامَّة»؛ (رواه الترمذي وقال: حديث حسن)
8/ وهناك العشر الأواخر من رمضان، ففيها ليلة خيرٌ من ألف شهر، وسنتكلم عنهم باستفاضة أكثـر بمشيئة الرحمن.
هذه الأوقات المستجابة أسأل الله لي ولكم ألا نغفل عنها؛ ففيها من الأجر والثواب مما عظُم، وإن كانت كل دقائق وثواني رمضان تحمل الخير؛ ففيه الرحمة والمغفرة والعفو والعتق من النيران، أعتقنا الله وإياكم وجميع المسلمين أحياءً وأمواتًا، وكتب لنا جميعًا نصيبًا من عطاء الله في شهر القبول والغفران.
9/ إذا أردنا طرق أبواب ربنا بالدعاء والتذلل له، فعلينا بالتأدب مع المولى عز وجل، وخير ما نبدأ به الحمد لله والثناء عليه، ثم الصلاة والسلام على حبيبه المصطفى، مع الطهارة واستقبال القبلة واستحضار القلب والاخلاص والصواب.